الصفحة 53 من 96

ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة .. فإن أوقعه ظن أن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته .. لكن فضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله؛ فإذا أراد الله بعبده خيرا فتح له من أبواب التوبة والندم والانكسار والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات؛ ما يجعل تلك السيئة سببا لرحمته ..

حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه .. وهذا هو الطبق

(الثالث) من أطباق سعادة العبد المتقدمة .. وهو أنه إذا أذنب تاب واستغفر.

وهو معنى فول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة .. ويعمل الحسنة يدخل بها النار. قالوا: كيف؟

-قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه خائفا منه مشفقا وجلا باكيا نادما مستحيا من ربه تعالى ناكس الراس بين يديه منكسر القلب له؛ فيكون ذلك الذنب والحاله هذه أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

-ويفعل الحسنة فلا يزال يمن على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها، ويقول: فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.

فإذا أراد الله بهذا المسكين خيرا ابتلاه بأمر يكسره به ويذل به عنقه ويصغر به نفسه عنده .. وإن أراد به غير ذلك خلاه وعجبه وكبره، وهذا هو الخذلان الموجب هلاكه ..

فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك .. والخذلان .. كل الخذلان .. أن يكلك الله تعالى إلى نفسك ..

فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والإنكسار ودوام اللجأ إلى الله تعالى والإفتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه واحسانه ورحمته وبره ..

فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحن .. لا يمكن السير إلا بهما .. فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت