أطلنا الصمت حتى ملَّنا الصمت، وجالت أبصارنا التائهة في ظلمة المكان تتحسس طريق الخلاص .. كان المكان فسيحًا رحبًا .. ولكنه كان يفوح بعفونة فكرك الخرب وقيئك النتن، فلم نستطع حتى سد أنوفنا خشية أن تعانق رقابنا حبال المشانق، فضاقت في أعيننا الدنيا بأجمعها وأحسسنا بالاختناق، واعتلى أكتافنا الذل و القهر، وأصبحنا نستمرئ على مضض رؤية دماء رجالنا وأبنائنا الأطهار، وهي تلامس باطن أقدامنا الحافية، وقد سفكتها يداك الآثمتان ظلمًا وقهرًا وعدوانًا، فيسري في أجسادنا التقزز الممزوج بالرعب المقعد عن الحراك، ولكن .. ومع هذا البؤس والعناء والأسي كنا نتلمس الطريق .. نتلمس النور لنخرج من تيه الظلمات .. كنا نحاول الصراخ ملء أفواهنا حنقًا وغيظًا على هذا الضياع الذي جعلت منه أسوارا تحاصر به وجداننا وعقولنا وذواتنا، ولكن كان الصراخ يلفظ أنفاسه بمجرد أن يلامس شفاهنا .. كُنتَ تغتال الإباء فينا، وتحاول كتم أنفاس رجولتنا واقتلاع الغيرة من أعماقنا على حرماتنا وأعراضنا .. سملت عيني العفاف حتى لا تريا ما تفعله بحرائر المسلمين في أقبية سجونك ودهاليز زنازينك، وخنقت الحياء حتى لا يبوح بما تفعله بأبنائنا في معتقلاتك القذرة .. كانت الأخلاق تتوارى خجلًا من هول المطلع وعظم الجرم.
كم صبرنا وتصبرنا حتى تحملنا ما صنعته بكرامتنا وبعزتنا، وكم عانينا من بشاعة كفرك وفظاعة جرمك .. إنك مأساتنا أيها الزنديق القذافي القزم.
عندما أتيتنا في بداية ثورتك المشؤومة .. ولا ندري على الحقيقة من أين أتيت وما هو نسبك؟ .. كنت قد بديت لنا - في الوهلة الأولى - ذلك القائد الرباني المفعم بالحماس، والذي سيعيد الدولة الحلم .. دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والذي سيحيى ارض الإسلام والمسلمين، ويعيد شرع الله سبحانه وتعالى إلى بلادنا الحبيبة .. كنا نرى فيك ذلك الفارس المقدام الذي ستلتف حوله جموع مسلمي الأرض قاطبة، ممتطيًا صهوة جواده، سائرًا بهم نحو بيت المقدس محررًا وفاتحًا ومخلصًا له من أيدي اليهود أحفاد القردة والخنازير .. كانت وعودك لا تنقطع بالعيش في ظل دولة الإسلام حتى خدرت مشاعرنا، وثارت دماء العزة فينا، ولكن لم نكن ندري أن هذه الوعود كانت تولد ميتة لا حراك فيها.
لم نكن ندري - أيها السفاح - انك صنيع الاستعمار، وأنك ما جئتنا إلا لكي تهدم ما بناه أسلافنا المجاهدون الأباة، وأجدادنا المسلمون الكماة من تراث وعقائد إسلامنا الناصع، وديننا المشرق .. كنت قوميًا مرتدًا .. تلتحف بلحاف الإسلام، وتتدثر بدثار الشرع، ولم يكن يهمك أن يكون المرء مسلمًا أم نصرانيًا أم مرتدًا إذا كان عربيًا.
استقيت كل سياساتك من أسيادك الشيوعيين، فكنت اشتراكيًا على طريقتك كما تدعى، ولكنَّ لينين وستالين وماو - عليهم لعائن الله المتتالية إلى يوم القيامة كانوا يتنفسون هواءنا ويعيشون بشرعهم في حياتنا، ولهم نصيبٌ في حكمك لنا كنا نرى فلذات أكبادنا تنمو في هذا الجو الموبوء فينمو معه الكمد، وتتطاول معه أعناق الحسرة في نفوسنا .. وكان التشوه باديًا في أفكارهم وسلوكهم، وكنا نعلم جيدًا انك تتلذذ بمشاهدة أثار أعمالك وزبالات أفكارك.
أعْملتَ فينا كتابك الأخضر الكفري تطبيقًا، وجعلته منهجًا كي نسير عليه، وسلطت علينا كلابك المسعورة من لجانك الثورية وشراذمك الغوغائية، وأقحمت بعض أبنائنا في سعار فكرك النجس، فانسلخوا من أصالتهم ودينهم ليصبحوا جسمًا غريبًا في مجتمعنا المسلم .. كنت تخرج علينا بين الفينة والأخرى لترينا أن هناك أصنافا من البشر يمتلكون من الصفاقة والخسة والنذالة ما يجعلهم يتجرءون على مدبر الكون ومالك السماوات والأرض وخالق العباد ورازقهم، فيحرفون كتابه وينكرون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحاربون شرعه الحكيم ودينه القويم، وكُنتَ مصرًا في كل وقت وحين أن تثبت لنا انك الجدير بان تكون على رأس ذلك الصنف المنحط.
لم تحترم مشاعرنا، ولا مقدساتنا، ولا إرثنا الإسلامي العريق، وضربت بتاريخ أربعة عشر قرنًا عرض الحائط، وحاولت طمس هذه الحقبة من الزمان، ومسخها من ذاكرتنا، بتكفير علماء الإسلام وأئمة هذا الدين وجعلت جريرتهم التمذهب، حتى لا نثق بهم وبشريعتنا الإسلامية الغراء التي أفنوا فيها أعمارهم، وبذلوا مهجهم وأرواحهم، حتى ينقلوها لنا بأمانة بالغة كي لا تكون منقوصة البنيان، مقوضة الأركان.
كان ادعاؤك للإسلام، وإظهار الحرص على الدعوة إليه من خلال مؤسساتك المتمسلمة كجميعة الدعوة الإسلامية، وقلة فهمنا للدين الصحيح قد جعلت على أبصارنا عتمة عدم الإدراك الجلي للحكم على أمثالك، فلم نتبين زندقتك - والتي أدركتها القلة القليلة ممن فقه الإسلام وعلم حكم الله فيك، ومع طول المسير وكثرة بوحك بما تضمره نفسك الخبيثة، صار عداؤك للإسلام وللمسلمين ظاهرًا لنا، وأصبحت لا تقتنع إلا بان تكون إلهًا يعبد من دون الله، وبذلك صرت تستحق - عن جدارة - ذلك النعت المذيل لاسمك: الطاغوت معمر أبو منيار القذافي فرعون ليبيا الجديد.
ومرت علينا اكثر من سبع وعشرين سنة كانت خلالها أعواد المشانق تئن مما عُلق عليها من أجساد أبنائنا وإخواننا الذين باعوا أرواحهم ثمنًا للذود عن الدين وتنقية بلادنا المسلمة وتطهيرها مما علق بها من ادران الردة والزندقة .. كان هم تخليصنا منك يقض مضاجعهم، ويُؤرق أجفانهم، ويُسهد عليهم ليلهم .. وكانت صدورهم تغلي كالمرجل حزنًا وألمًا على ما آل إليه حالنا، وصار إليه امرنا، وما كان ليهدأ لهم بال ولا ليقر لهم قرار حتى يقتلعوك من جذورك أيها الدرن، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء وقدر أن يصطفي بعضهم ليكونوا من الشهداء - نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله.
وكنت - أيها النكد - صاحب اليد التي تلطخت بدمائهم الزكية، وتلوثت بنجيعهم الطاهر- تبت يداك - فبؤت بإثمهم، فأبشر بما يسؤوك ولآت حين مندم.
لن ننسى - أيها الطاغية - شبابنا الذين قذفت بهم في حروبك الجاهلية الخاسرة، ونزواتك العابرة الطائشة بعد إن اقتلعتهم اقتلاعًا من بيننا للقتال تحت رايتك الجاهلية، وليفقد اغلبهم أغلى ما يملكون .. أرواحهم التي بين جنباتهم، ولنفقد من فلذات أكبادنا قرابة العشرة آلاف نفس، وأما الذين عادوا من القتال ونجوا من الهلاك فكانت مكافأتهم في إحدى المرات أن يحلقوا شواربهم، ويلزموا بيوتهم لمدة أسبوع تأسيا بالنساء وذلك لأنهم فروا من كمين نُصب لهم، أما الأسرى فكان نصيب بعضهم بعد أن كوفئ لأجل بطولته بين قضبان الأسر أن مُنح عدة آلاف من الدينارات عند عودته - إن أُمر أن يحضر كل صباح في أيام محددة من كل شهر إلى سجن أبو سليم بطرابلس، ويُصفع صفعة على وجهه، ثم يوقع على ورقة بأنه استلم تلك الصفعة حتى يكمل عدد الصفعات المحددة التي اخذ ثمنها سلفًا آلاف الدنانير.
نعم .. أيها الزنديق .. هكذا تكون عطايا الطواغيت عندما يتقمصون شخصية إبليس وأعوانه، وهكذا تمارس القهر والإذلال جزاء من أضاع زهرة شبابه بين ردهات آلتك العسكرية التي نخرها السوس، وعلاها الصدا، وأنهكتها الهزائم والنكسات، فلم يخرج من ذلك كله إلا بالفتات الممزوج بذكريات الحسرة والألم .. حتى ثروات بلادنا - أيها الدعي - لم تمنحنا منها إلا النذر اليسير الذي لا يسد الرمق ولا ينجي من الفقر، فانتشرت فينا الفاقة، واصبح منا من يتسول لقمة العيش بعد أن سُددت أمامه أبواب الاسترزاق، واهريق ماء وجهه وهو يمد أكف الذل والمهانة بعد أن كان عزيزًا كريمًا متعففًا عن المسألة، فسلبت ملكه، وأخذت ماله عنوة، ثم حرمته من مرتبه وحرمت عليه البيع والتجارة، ولم تكتف بهذا بل استكثرت عليه رداء العفة والشرف - وهو كل ما تبقى له من ملك فأغريت أهله وفتياته بفتن الدنيا، وجردتهن من ثوب الفضيلة والستر، فخرجن في الطرقات متهتكات متبذلات، وقد صرن كالثوب الخلق الذي اتسعت رقعه واستفحل اهتراؤه، الا من رحم الله، ولم تنجَ من الفساد إلا من تعلقت بحبل الله ودينه القويم.
نعم .. أيها الماجن العربيد .. هذا ما كنت تسعى إليه .. أردت بلادنا علمانية كفرية، وأردتنا عبيدًا لك نسبح بحمدك وإجلالك، ونتفانى في إرضاء نزواتك وشهواتك أردتنا كالببغاوات نردد بلا فهم ترهاتك وأكاذيبك، وننسلخ من ديننا الذي فطرنا الله عليه.
إن الذي فعلته بنا وفي بلادنا الحبيبة عجز المستعمر الصليبي الإيطالي - خلال اكثر من نصف قرن من الاحتلال العسكري والقمع الوحشي - أن يفعله، وجئت أنت - يا عبد الشيطان - لتدق عقائدنا الإسلامية بمعول الهدم والتدمير بوسائلك الشيطانية مستترًا بستار حب الإسلام والمحافظة على الدين من التشويه والتخريب، ولقد صدق فيك قول القائل رمتني بدائها وانسلت، وعملت على سجن الموحدين من أبنائنا الحريصين على تطبيق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والذين فجروا فينا ينابيع الإيمان فسرت الحياة في شراييننا، وتسللت حتى لامست قلوبنا فأصبحنا نرى الحياة رؤية مملؤة بالأمل في الخلاص من حكمك بعد إن ظننا أن الذل لا ينزع إلا إذا فارقت أرواحنا أجسادنا ومتنا حتف أنوفنا، فكانت الصحوة الكبرى في أبنائنا وآبائنا وإخواننا، حتى نساءنا أثار فيهن باعث الإيمان حب التعلم والمعرفة، فصرن يستقين الإسلام من معينه الأول حتى يُنشئن في أكنافهن جيلًا يضرب به أروع المثل في حب التضحية والفداء لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا من أمثالك - السفلى.
كانت هذه الصورة من المجتمع الإسلامي الصغير تنمو شيئًا فشيئًا، وتكبر في نفوسنا، وكان الجزع والهلع من هذا النمو باديًا على محياك، ظاهرًا على وجهك الكالح، والذي جعلك تزداد خوفًا ورهبة هو ما كان يحدث عندما تقوم بسجن الموحدين وقتلهم من ارتفاع الصوت الهادر للصحوة المباركة، واتساع دائرة تواجدها، وازدياد العائدين إلى الله عز وجل وشرعه الحكيم.
ولكن .. في ذلك الخضم المتدافع والمبارك، وفي تلك المحن والفتن المتصاعدة كان المخاض .. وكان الميلاد .. ولد رغم القهر والعسف ومحاولات القتل في المهد .. نعم .. رغم ذلك كله ولد .. كان ينمو نموًا متوازنًا طبيعيًا، يغذيه ذلك النبع الصافي .. كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. لم يكن أحدنا يحس بوجوده ولكنه كان بيننا .. غدا عملاقًا .. لم تستفزه الأحداث ليظهر حقيقة قوته إلا فيما ندر، فما حانت اللحظة - التي ستفغر فيها فاك - أيها الطاغوت.
كُنت - أيها الدعي القذافي - تحس به يحدق بك ولكنك لم تره، وكان سدنتك الذين يسبحون بحمدك يتلقون منك الركلات والصفعات لعدم رؤيتهم له .. شككت في ذلك العملاق الذي لم تعرف حجمه الحقيقي والذي لم يكتمل نموه بعد.
عجزت عن تكبيل كل أطرافه، فكبلت بعضًا منها، ولكنَّ ذلك لم يفت في عضده.
لم يكن العملاق ليرضى بهذا الذل، فهو لم يذق إلا طعم العزة، أما الذل فلا يستسيغه حلقه، فبدأ يتململ في تلك القيود، وكنت تحاول أن تحكم وثاقها وتزيدها صلابة وقوة لتؤخر نهايتك المرتقبة على يديه - بعون الله وقوته - ولكن العملاق كان يكبر يومًا بعد يوم، ولتبدأ القيود في التصدع.
ويستمر هذا التصدع في الاتساع شيئًا فشيئًا، فما كان للقيد ان يقاوم النمو المتسارع، ولم تستطع ان تؤخر تحطم القيد حتى كانت بداية قاصمتك التي لن يعصمك منها شئ بإذن الله.
انتفض العملاق وهو يزيح بقايا القيود المحطمة، وبدأ يسير بتؤدة نحو هدفه المقدس وهو يقطع العقبات التي وضعتها في طريقه كمعوقات تمنعه من إكمال المسير .. لم يكن لعقلك المعتوه أن يستوعب هول الفاجعة بالنسبة لك، وروعة الحدث بالنسبة لنا، فأحسستَ بان عرشك يهتز بشدة، والأرض تميد تحت قدميك، فارتعدت فرائصك، واستنفرت سدنتك بأجهزتهم المهترئة .. صرت كالغريق الذي تحطم مركبه في وسط بحر ثائر وليلة سوادها كالح، وكان معك أولئك السدنة الذين استعملتهم كطوقٍ لنجاتك، وكلما نفق منهم واحد تعلقت بآخر حتى نفقوا جميعًا، ليأتي عليك الدور - بإذن الله - ولتذوقَ من كأس المنون مرارتها التي جرعتها أبناءنا ورجالنا وعلماءنا طيلة ثلاثين عاما.
حاولت تشويه صورة العملاق الجميلة .. فوصفته بابشع النعوت والأوصاف .. تأثر بعضنا بأبواق أجهزتك الإعلامية، وبنعيق أصحاب الأفكار الممسوخة الذين زرعتهم بيننا .. كانوا يتلقفون كلماتك ويتقيؤنها أمامنا بشكل منفر ومقزز.
وما فتئ الزمان يدور حتى كانت تصل إلينا بين البرهة وأختها ترانيم ذلك العملاق كانت أطايبه ونفحات أهدافه تصلنا عبر قراطيسه الثمينة، فتقع في قلوبنا كالبلسم الشافي، والترياق الناجع، وكانت عباراته تضئ بنور الإسلام الصحيح، والمنهج القويم، وكُنتَ - أيها الزنديق القزم - تخنس كلما صحونا، ثم تخرج علينا من خلف أسوارك العالية وتحصيناتك الهشة لتقيئ على مسامعنا ذلك النتن الذي حاولت أن تجرعنا إياه رضيت لكم القومية العربية دينًا ومعمرًا إلهًا ومبلغًا لرسالتها لعلك تنجح في حشو رؤوسنا ببعض أفكارك الجاهلية، ونظراتك الشيطانية، ولتستعيد الرعب والخوف الذي ادخلته قلوبنا فرقًا من جبروتك وطغيانك .. أفهمتنا أن ذلك العملاق قد كفر بالقومية العربية، وما أتى إلا ليشتت جمعنا ويهلك امتنا لتضيع بين الأمم، حتى جاء اليوم الذي علَّمنا فيه ذلك العملاق ان القومية لا تساوى شيئًا في ميزان رب البرية، وان العروة الوثقى والاجتماع الحق لا يكونان إلا بالتمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وبدأ الظلام ينقشع، والغشاوة تنجلي، وبدأت ملامح ذلك العملاق تتضح، وإشراقته الوضاءة تغطي كياننا، وتأسر قلوبنا رأينا جذوره متأصلة في أعماقنا .. لم يكن غريبًا عنا فهو يشبه ملامحنا، ويحمل بين جوانحه بصمات أصالتنا، وتربى على الأنفة والإباء، وترعرعت نفسه مع عزة الصحراء .. اتسعت أحداقنا، وارتسمت على وجوهنا علامات الغبطة والسعادة، وفرحت قلوبنا بين أضلعنا جذلًا .. وبدت لأبصارنا كل دقائقه .. نعم .. لقد عرفناه عن قرب.
عرفناه وهو يحرضنا على قتالك لاستئصال شأفتك، ولنقرب يوم هلاكك بإذن الله عرفناه عن قرب وهو يصحح لنا المسار ويرينا طريق الحق .. طريق التمكين .. الطريق إلى الخلافة الراشدة .. نعم .. عرفناه عن قرب، فلم نجده إلا أبناءنا المهاجرين الذين تركونا فرارًا بدينهم من بطشك وفتنتك، فألقينا باللائمة عليهم بأنهم القوا أنفسهم إلى الضياع والتهلكة، جهلًا منا وعدم فهم وإدراك لهدف خروجهم وغاية هجرتهم، ولم نعلم ان حب الجهاد والقتال في سبيل الله قد ملك عليهم قلوبهم، وصقل رجولتهم، وأيقظ همهم ليحملوا على عواتقهم أمانة وهم تخليصنا من عبوديتك بعد أن عاهدوا الله على أن لا يتركوا السلاح حتى تعود ليبيا إلى عهدها الأول يوم كانت ترفرف عليها راية الإسلام.
نعم .. عرفناه عن قرب، فلم نجده إلا محقًا للحق ومبطلًا للباطل وناصرًا للمظلومين، ومُنزلًا للقصاص العادل على الزنادقة والمرتدين بإذن الله.
نعم .. عرفناه بدعائه إيانا أن نلحق بركبه ونقتدي بعمله، فلبى بعضنا وتأخر البعض الآخر، ولكننا سنكون في طريقنا إليه - بإذن الله - نشد من أزره بعد عون الله، ونضع يدنا في يده، وننزع عنا ثياب الذل، ونرتدي رداء العزة والشجاعة والأقدام، ونتأهب لمقارعتك - أيها الطاغوت القذافي - في ساحات النزال تحت لوائه، فإما إلى نصر نُعز به، وإما شهادة نُعذر بها أمام ربنا، وندخل بها جناته. نعم .. عرفناه وتلمسنا طريقه، وتعرفنا على منهجه القويم، ونبعه الصافي، فلم نجد ذلك العملاق إلا الجماعة الإسلامية المقاتلة.
عرفناها جماعة مجاهدة قد صقلتها الخطوب، ولم تؤثر فيها الجراحات - بحول الله وقوته - وصرنا نرى فيها الأمل القادم، والغد المشرق، والمستقبل الباسم .. إنها عملاق ولد في زمن التردي والانحطاط، فعزم على تغيير واقع الأمة، وتحكيم شرع الله الغائب، وإخراج العباد من ظلمات التيه، وتخليصهم من عبودية الطواغيت أمثالك.
نعم .. أيها الدعي إنها أملنا وهي منقذنا - بعد الله سبحانه وتعالى - ولن يكون لنا حيدة عن منهجها الحق بإذن الله، ومهما فعلت بنا، فستكون أجسادنا ودماؤنا الطاهرة هي اللبنات التي سنبني بها صرح الخلافة تحت رايتها .. وسنظل نهتف ما حيينا النصر والعزة للإسلام والمسلمين، ولنكن كلنا الجماعة الإسلامية المقاتلة، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.