والوعي. وفي ديار الغرب، حروب مباشرة ضد الدين والرموز الدينية والمعتقدات والمظاهر والسلوك والتفكير والعمل.
لم تكن الدولة العثمانية وهي في أضعف حالاتها لتتخلى عن الإسلام ونصرة أهله ونبيه. ولم يكن الغرب آنذاك، وهو في أوج صعوده ليتجرأ على الإسلام، بدعوى حرية التعبير، كما يفعل اليوم. هذه الصورة العدائية والاستفزازية ضد الإسلام قديمة قدم الإسلام ذاته، وقد استحضر الداعية الإسلامي التركي فتح الله كولن إحدى وقائعها الحديثة، وذات الدلالة البالغة من رحم التاريخ العثماني، حيث جاء فيها:
«كان العثمانيون متعلقين بدينهم حتى في أضعف أدوارهم. كانت هناك مسرحية قبيحة للكاتب الفرنسي"فُولتير 1694 - 1778"يهاجم فيها رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم. وكانت فرنسا تريد تمثيلها في المسارح في ذلك العهد الذي كان يطلق على الدولة العثمانية اسم"الرجل المريض". ولكن هذا الأسد المريض عندما علم بوجود نية الهجوم على سيّده ونور عَينه صلى الله عليه وسلم زأَر ضدّ فرنْسا، حيث أرسل السلطان عبد الحميد الثاني - المتَّهم بأنه السلطان الأحمر، حاشاه- بَرقية إنذار لفرنسا قائلًا فيها:"قمتم بتمثيل هذه المسرحية التي تستهدف رسولي صلى الله عليه وسلم ورسول جميع المسلمين، فإنني سأثير جميع العرب وجميع المسلمين ضدكم". كم كنّا نتمنى أن يملك العالم الإسلامي مثل هذا الوعي الشعور. وقد أثارت هذه البرقية مَوجةَ ذعر في فرنسا بحيث أنها لم تستطع تمثيل هذه المسرحية على مسارحها. وهنا أرادت إنكلتره تمثيل هذه المسرحية في بلدها، فأرسل الأسد الجريح بَرقيّة إنذار لها فأحجمت إنكلتره أيضا عن تنفيذ نيتها وتراجعت عنها» [19] .
صورة مماثلة ومثيرة لذات التحديات التي تتعرض لها المنطقة. وتبعا لذلك فإن «نبض الشارع» سيتنوع ويتغير وتتأرجح مكانته وجوبا بحسب هوية الأحداث ودرجة خطورتها. فلما كانت أروقة التنظيم الدولي ومؤسساته وعلاقاته مسرحا لوقائع العداء اليومية مع إسرائيل والغرب ذات مضامين سياسية، كانت القضية الفلسطينية هي المعبِّر الوحيد والأبرز عن «نبض الشارع» . لكن وقائع العداء تغيرت وصارت ذات مضامين عقدية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، ولم يجد الغرب من عدو بديل وملائم غير الإسلام ليبرر استمرار حالة الهجوم عبر مؤسساته وأدواته وعقائده العسكرية والأيديولوجية قبل أن يظهر تنظيم القاعدة أواخر القرن العشرين.
صحيح أن «القدس هي قرة عين كل مسلم» ، هكذا يقول رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية. فهي قضية ذات محتوى عقدي، وصاحب «العمق الاستراتيجي» يقول أيضا أن: «مصير إسطنبول لا يختلف عن مصير بغداد أو القدس أو الدوحة» [20] . لكن هذا المصير المشترك لا شك أنه سيلقى ترحيبا متزايدا لدى «نبض الشارع» كلما بدا له أن تركيا الأطلسية تتجه، مثلا، نحو التخلص من قيود الغرب في أفغانستان كما سبق لها وتخلصت من ضغوط أشد حين تعلق الأمر بالعراق.