الصفحة 4 من 21

· منطق الأطروحة وآلية عملها

منطق الأطروحة التركية يقع بين نظرة الغرب إلى تركيا في السياق الجغرافي وبين نظرة تركيا إلى نفسها في السياق الحضاري. فحين وصف صموئيل هنتنغتون صاحب «صدام الحضارات» تركيا بأنها دولة «هامشية» مستدلا بموقعها الجغرافي الواقع على أطراف القارات لم تستطع تركيا الرد لأنها حين تكون دولة علمانية «بلا تاريخ» فلن تكون إلا «طرفا» على حواف القارات، لكن حين تستعيد تاريخها وتتموضع فيه فلن تكون إلا دولة «مركزية» تقع في قلب العالم الإسلامي.

إذن لمّا تعلن تركيا على لسان وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو أنها بصدد «إعادة تطبيع التاريخ» [3] فإن الأطروحة التركية ستقع حكما في إطار الصراع التاريخي بين الإسلام والغرب. وبحسبها؛ لم يعد ثمة مجال للتسليم بالنظريات التي ترى بأن التطور البشري محكوم بالسير وفق خط أحادي للتاريخ. ولم يعد أيضا ثمة مفر من الاعتراف بحقيقة أن التاريخ لا بد وأن تجري قراءته وفق خطوط دائرية.

وطبقا لهذه القراءة فإن: «أزمة الحضارة الغربية الراهنة لا يمكن حلها من داخلها، خاصة بعد أن وصلت إلى مرحلة متطرفة من الاستعلاء وإنكار الحضارات الأخرى وثقافتها» . وفي المقابل فإن العالم الإسلامي الذي يتلقى منذ قرنين من الزمن أقسى الهجمات التي تشنها الحضارة الغربية عليه، يتهيأ اليوم، إلى التقدم كـ «بديل حضاري» ، في ضوء: (1) نمو حركات الإحياء الإسلامي، و (2) الوعي المتزايد لدى المسلمين بضرورة العودة إلى الإسلام، و (3) فشل محاولات تبديل «الإدراك الذاتي» لدى إنسان الحضارة الإسلامية. هذا ما يزعج الغرب الذي يجهد في منع الإسلام من الوصول إلى غايته.

هذه هي جواهر أطروحات د. أحمد داوود أوغلو خاصة في كتابه الأشهر: «العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية» ، والذي يستدل فيه حتى بتركيا التي يتنامي العامل الإسلامي بقوة في سياساتها الداخلية والخارجية [4] .

أما تطبيقات الأطروحة في السياق الإقليمي؛ فتبدأ نظريا عبر محاولة تركيا: «إعادة تأسيس العلاقات التركية - العربية على أرضية عقلانية» بما يخدم «المصالح المتبادلة» بين الطرفين وقضايا «السلم الإقليمي» [5] . هذه «الأرضية العقلانية» تقرر قبل أي اعتبار أن: (1) «تركيا اليوم ليست الدولة العثمانية التي تحمل على عاتقها مسؤولية العالم الإسلامي كله، كما أنها (2) ليست في مواجهة تصفية حسابات مع القوى العظمى نتيجة ارتباطاتها بعلاقات مع المجتمعات الإسلامية» [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت