لكن صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة لم يحسم بعد مسألة الهوية في تركيا خاصة في ضوء تباين التفسيرات المحلية بين القوى الإسلامية لهذا الصعود، والتي تنبئ عن افتراق في الرؤى والأهداف. وهذه وضعية أدت، وللمرة الأولى، إلى مخاوف من التفريط بمبدأ «المراكمة» الذي سارت عليه القوى طوال عقود الصراع.
السؤال: في ضوء «الالتباس» الذي تثيره العلمانية حول الهوية والذي يقلق «نبض الشارع» الطامح إلى تجاوز القطيعة على بينة: هل تتكرر التجربة بحيث يعود الإسلام إلى السلطة فاعلا تاريخيا ومركزيا على أنقاض العلمانية؟ وتكون (هي) شريكة له؟ أم سيبقى شريكا للعلمانية؟ باختصار: من هي تركيا القادمة إلى المنطقة؟ ومن هو الفاعل في الحدث التركي: الإسلام؟ أم العلمانية؟
السؤال الثاني: (الولاية)
هل تؤسس تركيا لمرجعية إسلامية بمواصفات دولة؟
«أنتم هنا في عاصمة العالم» ! عبارة يرددها مرشدو السياحة في اسطنبول على مسامع الزوار المسلمين وغير المسلمين. هذا ما سمعناه وشاهدناه من عظمة الإسلام في زمن الخلافة. وهذا ما يسلب ألباب الزوار لاسيما حين يتسمرون أمام مشهد فتح القسطنطينية أو حين يتنقلون ما بين قصر وقصر في منطقة توب كابي وأنحاء المدينة فضلا عن قصور السلاطين الضخمة والمساجد العظيمة، لكأن الزائر لا يرى إلا مدنا عثمانية شامخة، والأهم من ذلك تراث الخلافة الإسلامية الذي يُمكّن كل مسلم من معاينة بعض ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وقادة المسلمين عبر التاريخ، بل وملامسة عروش الأباطرة والقياصرة. كلها مشاهد تضع المسلم في تواصل مباشر مع التاريخ والحدث الإسلامي الذي ينبض بالحياة منذ البعثة النبوية وإلى يومنا هذا.
أيا كانت المواقف والتقييمات الظاهرة أو الباطنة تجاه الدولة العثمانية فإن الموقف الثابت لدى «الحدس» أن سؤال التاريخ لا يمكن أن ينفصل عن سؤال المصير. إذ أن عاصمة العالم، ما زالت حاضرة في الذهن والإدراك بكل تفاصيلها كآخر حواضن الخلافة الإسلامية، ومهما طالت القطيعة التاريخية فإن تراث الأمة سيظل مهوى فؤاد كل مسلم. وأن كل مسلم له منه سهم كامل، غير منقوص، في الحقوق الدينية والروحية والتاريخية والحضارية والمادية كما له سهمه في تراث مكة والمدينة والقدس وبغداد ودمشق والقاهرة وحتى الأندلس. لذا فإن تركيا الجمهورية تتحمل أكثر من غيرها مسؤولية الانهيار بنفس القدر الذي تتحمل فيه مسؤولية التداعيات المدمرة التي خلفها.
قبل أن يشرع باحث مغربي في الحديث عن مكونات التيار الإسلامي لـ «الإسلاميون الجدد في تركيا» يورد، بداية، خمس ملاحظات نقتبس منها ما يهم سياق السؤال. وفي ملاحظته الأولى يقيم موقف التيار من مسألة الخلافة فيقول بأن هناك شعور لدى: «أبناء التيار الإسلامي بكل مكوناتهم أنهم امتداد حقيقي وفعلي للخلافة العثمانية التي تمثل بالنسبة إليهم إرثا تاريخيا هاما من تراث الحضارة الإسلامية. هذا الإرث التاريخي الكبير