الصفحة 3 من 21

على امتداد السنوات العشر الماضية فقط؛ أحدث الحضور التركي في المنطقة ردود فعل إيجابية اخترق صداها، بعمق، أسماع الناس من كافة الشرائح العمرية والثقافية والمكانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولما تكون مخرجات الفعل السياسي والدبلوماسي قد وصلت إلى هذا المستوى الأفقي من التأثير فمن باب أولى القول بأنها وصلت مبكرا إلى المؤسسات والقوى والنظم على اختلاف أشكالها وتكويناتها وتخصصاتها. وتبعا لذلك باتت وقائع الحدث التركي حديث الساعة في المجتمع والدولة، ومقالة كل محفل ومهجع ومبعث كل تساؤل عن حقائق التاريخ والمصير المنتظر.

هكذا هي تجليات القوة. فطالما بقيت عناصر القوة في تركيا تتنامى وتقف خلف الأداء الدبلوماسي الجذاب، محليا وإقليميا ودوليا، فستظل تركيا، كدولة إقليمية عظمى وليس كمفكرين فحسب، تتحدث بما هو أوسع من «العمق الاستراتيجي» وأبعد من «الشراكة الاستراتيجية» . هذا هو بالضبط وجه القوة في الأطروحة التركية عندما يجري تسويقها برعاية دولة تحتل اليوم المرتبة الاقتصادية السادسة عشر في العالم والثامنة في أوروبا، وتعمل بجهد حثيث، كما يأمل أوغلو، لِأنْ تكون تركيا من بين العشرة الكبار في العالم بحلول العام 2023 [1] .

· مكانة الأطروحة

بخلاف مصر التي فشلت مبكرا في أن تقدم نموذجا يحتذى بعد انهيار نظام الخلافة وانتهاء الحرب العالمية الثانية؛ وكذا ماليزيا التي حاولت مطلع العقد الأخير من القرن العشرين أن تلعب دورا قياديا ما ولم تستطع، على الأقل، لبعدها الجغرافي عن المنطقة، ولعدم تمتعها بأية مشروعية تاريخية أو دينية في العالم الإسلامي عامة وفي المنطقة العربية خاصة، فإن تركيا اليوم، ابتداء من «العمق الاستراتيجي» الذي حول تركيا من «طرف» إلى «مركز» ، مرورا بسياسة «تصفير المشكلات» وانتهاء بـ «مكانة العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية» العالمية، استحقت بجدارة مكانة أول دولة إسلامية تقدم أطروحة شاملة، معززة بإرث تاريخي وحضاري ضخم، ترد فيها على نظرية «النهايات الأمريكية» الطابع (نهاية الدين .. نهاية التاريخ .. نهاية الأيديولوجيا) [2] خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال الحرب الباردة. قيمة هذا الاستحقاق أنه بات يشكل امتيازا غير مسبوق للأمة خاصة وأنه يتوجه نحو المنطقة العربية بشكل خاص باعتبارها قلب العالم الإسلامي ومصدر حضارته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت