يجري التعبير عنها، أحيانا، بلغة السياسة والإعلام بـ «نبض الشارع» سواء على المستوى التركي أو على المستوى العربي. ففي رحم «الحَدَسْين» أو «النبضين» أو «العقلين الجمعيين» استقرت القطيعة التاريخية المؤلمة بين المسلمين العرب والعثمانيين، وفي رحمهما تجري وقائع الحدث التركي المستمر، وفي رحمهما أيضا تقع أسئلة التاريخ والمصير.
قيمة هذا «الحدس» أنه أصدق من الرأي العام وأكثر عقلانية منه وأوسع مدى، خاصة وأن تعبيراته عميقة الجذور، ولا تتأثر بمعايير الانتماء السياسي أو الولاء أو أي مستوى اجتماعي آخر، كما أنه لا يأبه بطوارئ الأحداث إلا بما تفرزه من نتائج قابلة للقياس.
وفي هذا السياق، من الأهمية بمكان ملاحظة أن تفاعلات «نبض الشارع» لا يمكن تصنيفها ضمن أطر سيكولوجية محضة على الدوام. فـ «النبض» ، وهو المحصَّن بأعلى درجات العقلانية وطرق القياس، يدرك قطعا أن النظم لا تنقلب على أعقابها بمقدار 180 درجة؛ ولا تتبلور في صيغ جديدة ما لم تسبقها عواصف عاتية. لكنه لا يتفاعل مع الحدث ولا يستجيب له ما لم تتوافق وقائعه ومخرجاته، ولو بقدر ما، مع الشروط الموضوعية التي تسمح له بالاستمرار وإلا ستكون النتائج معاكسة تماما. أما الآن فلنعرض لبعض التساؤلات الكبرى.
السؤال الأول: (الهوية)
من هي تركيا القادمة إلى المنطقة؟
لعل الغالبية الساحقة من الكتابات العربية التي تناولت الحضور التركي في المنطقة مالت إلى تقديم توصيفات مكرورة لوقائع الصراع بين العلمانية والإسلام في تركيا منذ ما قبل تأسيس الجمهورية بقليل. كما أن بعضها قدم عروضا لنظريات سياسية تمحورت حول كتاب العمق الاستراتيجي للدكتور أحمد دواوود أوغلو وزير الخارجية التركي. هذا يعني مبدئيا أن التفاعل مع الحدث التركي بقي، في أغلبه، ذو محتوى محدد لم ينفذ إلى أعماقه. أما لماذا؟ فالأرجح أن ضرورات الحدث تطلبت بداية: (1) تغطيته إعلاميا قبل أي اعتبار، ولأن الحدث (2) حقق استجابة لمتطلبات نفسية ماسة حتى جاءت ردود الفعل مرحبة ومشيدة، ولأن (3) حزمة المعلومات المتداولة، والواردة من مركز الحدث بالغة المحدودية [10] .
لكن أحد الباحثين السياسيين الأتراك قدم عرضا قصيرا لامس فيه بعمق «نبض الشارع» العربي. ففي مقالة له بعنوان: «المؤسسة العلمانية والإسلام في تركيا» تحدث الباحث عن «التباس» بنيوي في علاقتها بالإسلام وقعت فيه «العلمانية» منذ نشأة الجمهورية في تركيا. فالعلمانية: «من جهة أولى تجربة تطمح إلى إزالة الرموز الدينية من المجال العام وخاصة في مجالات التعليم، والحكومة، والبيروقراطية والعسكرية؛ وهي من جهة ثانية تعطي الأولوية لأنموذج من الإسلام السني مقبول لديها» .