ولأن مؤسسي تركيا رأوا: «أن الإسلام عقبة أساسية أمام التقدم» فقد تبنى أتاتورك ورفاقه: «"خطابا مزدوجا"، دون التخلي عن مبدأ العلمانية / القومية، واختاروا أنموذجا مرضيا لهم للإسلام كشريك، معتقدين أنه من خلاله تتم السيطرة على تأثير الدين على الشعب التركي، وإضفاء الشرعية على الهوية الوطنية الجديدة، وساعد ذلك إلى حد ما في ملء الفراغ الروحي الناجم عن إلغاء السلطنة والخلافة، واعتماد الأبجدية اللاتينية، وفرض اللباس الغربي» [11] .
ميزة ما يطرحه الباحث التركي في تفسيره لهذا «الالتباس» أنه يموضعه في سياق: «صيرورة بناء الأمة التركية الحديثة، حيث تأسست جمهورية تركيا على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وليس على أساس التراكم التاريخي والحضاري لميراث هذه الإمبراطورية» . ولا شك أنه سياق يقع في صميم «نبض الشارع» الذي يشعر أن تركيا الجمهورية، وهي تتجه نحو توثيق علاقاتها بالغرب وإسرائيل التي قامت هي الأخرى على أنقاض فلسطين، هي الوحيدة التي «كسبت» في المحصلة، بينما «خسر» الإسلام والعرب والمسلمون.
ولا شك أن هذه الأطروحة التي لم تكن ترى في الإسلام سوى «شريك» أو «ملحق» بائس في العلمانية ليس له من سلطان إلا تلبية احتياجاتها هي أطروحة بالغة الصراحة خاصة وأنها، رغم التباسها، نجحت في إحداث قطيعة شاملة، وعملت على تكريسها بنيويا زمنا طويلا. قد يكون الكثير من الأتراك ورموز العلمانية في العالمين العربي والإسلامي يرون في مؤسس الجمهورية بطلا قوميا لأكثر من سبب، بيد أن هذه النظرة تبدو على النقيض لدى «نبض الشارع» في ضوء التداعيات والشواهد المدمرة التي خلفها انهيار الإمبراطورية العثمانية. إذ ثمة أنقاض كثيرة تنتظر الإزالة إذا كانت تركيا عازمة حقا على التصالح مع تاريخها. وفي نفس الوقت ثمة مسؤولية مشتركة بين العرب والأتراك تتعلق بتصحيح الرؤية التاريخية تجاه بعضهما البعض أو ما يعتبره أوغلو نفسه أهمية «إعادة تطبيع التاريخ» .
مع ذلك ما من أحد ينظر إلى حزب العدالة والتنمية كما لو أنه طفرة بقدر ما هو بالنسبة لـ «نبض الشارع» حصيلة لصراع سياسي وفكري ودستوري مرير وطاحن جرت وقائعه على امتداد قرن بين الإسلام (بمختلف مكوناته وتشكيلاته الاجتماعية والسياسية والتربوية وحتى الفكرية بالإضافة إلى بعض الوجوه العلمانية والليبرالية، المدنية والعسكرية) وبين العلمانية الهجومية التي امتلكت كل وسائل القوة ممثلة بأجهزة الدولة وأدواتها وسياساتها.
ورغم التدخلات العنيفة للدولة فمن المهم ملاحظة أنه خلال مراحل الصراع برزت لحظات تمايز وعلامات فارقة، ابتداء من عدنان مندريس (1950 - 1960) مرورا بنجم الدين أربكان (ابتداء من السبعينات) ثم تورغوت أوزال (ابتداء من الثمانينات) وانتهاء بأردوغان (2001) ، كان أبرزها حرص القوى الإسلامية، على اختلاف منطلقاتها وتوجهاتها، على مراكمة جهودها عبر الاستئناف المستمر للهجمات السياسية والقانونية والدستورية من النقطة الأخيرة التي تصل إليها أية قوة إسلامية وعدم التفريط بما تم إنجازه.