لذا فإن تركيا التي تدرك وتحذر، من جهة، أن: «ردود الأفعال ذات البعد النفسي لن تتوقف عند التأثير على علاقات تركيا مع العالم الإسلامي بشكل سلبي فحسب، بل ستتعدى كذلك إلى تضييق ساحة مناورة تركيا الدبلوماسية في العمق الآسيوي والإفريقي» ؛ إلا أنها من جهة أخرى تؤمن بأن: «بناء .. الأرضية العقلانية يمكن أن يتيسر» . لكن بشروط؛ كـ: « (1) البدء بتجاوز التراكمات السيكولوجية المتبادلة، و (2) ترسيخ الوعي بمصير إقليمي مشترك، و (3) الحفاظ على العلاقات البينية من مؤثرات التوازنات العالمية» [7] .
تبقى المرحلة الأخيرة من الأطروحة؛ هي تلك التي تتعلق بحاجة تركيا للبحث عن فاعلين استراتيجيين للعمل في مسارات عقلانية لتفعيل الأطروحة في الواقع. إذ أن أي حضور فعال في المنطقة لا يمكن أن يجد له موطئ قدم إلا بالعمل على إزالة العوائق التي تسببت بها قطيعة المائة عام السابقة. وهذا يعني أن الدبلوماسية التركية ليست معنية فقط بـ: «إحداث تأثير فعال في الشرق الأوسط بعامة، وفي العلاقات التركية - العربية على وجه الخصوص» عبر «الاستخدام الأمثل لشبكة من الاتصالات الأفقية (العربية) ، ولآلية تعمل على تشكيل الرأي العام» ، ولا «باتباع سياسة اتصال أفقي، فضلًا عن سياسة التفاعل العمودي في المباحثات الدبلوماسية الرفيعة المستوى» ، بل: «أولًا وقبل أي شيء، بتطوير وجهة نظر تؤهلها لتحسس نبض العالم العربي، وتلمس إيقاع التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تشهده مجتمعاته» [8] .
هنا بالضبط، حيث الحديث عن «نبض العالم العربي» أو ما يسميه، عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو بلغة «الحَدَسْ» ، تقع كبرى الموضوعات المثيرة والتساؤلات التي تحتاج إلى إجابات، إما بهدف إزالة اللبس والغموض الذي يرافق عادة أية أطروحة شاملة، وإما بهدف الاطمئنان تجاه المسائل المطروحة ومستقبل الأطروحة ذاتها.
وهنا لا بد من ملاحظة أن التفاعل مع الأطروحة التركية في مستوى القمة يختلف، بطبيعة الحال، عنه في مستوى القاعدة. فالتشكيلات الرأسية تتفاعل عادة مع الأحداث بموجب قراءاتها وحساباتها وتنبؤاتها وحتى تحالفاتها والتزاماتها إزاء مبررات الحضور التركي وأهدافه ومتطلباته واحتياجاته. أما التشكيلات الأفقية فإن تفاعلها أقرب ما يكون إلى صيغة المطلوب أو، على الأقل، المأمول خاصة في المستوى المنظور القابل للمراقبة والاختبار والقياس والحكم بعيدا عن لغة الدبلوماسية. وفي هذا السياق من المهم النظر إلى صيغة المطالب باعتبارها نوع من ضمانات الثقة التي تسمح لـ «نبض الشارع» بمنح الثقة كتلك التي حصل عليها مواطن اسطنبول، مثلا، خلال حكم العدالة والتنمية عبر الماء والهواء والنظافة والنظام ومستوى الدخل.
وهنا أيضا، حين يتعلق الأمر بالعقائد والتاريخ والمصير المشترك، فالكلمة الفصل تكون لـ «الحَدَسْ» الكائن في صلب التشكيلين أو ما يعبَّر عنه بـ «العقل الجمعي» ، بوصفه الآلية المعبرة عن إجمالي عناصر ومكونات البنية الذهنية والإدراكية ومخزن الذاكرة الجماعية للفرد والمجتمع والدولة [9] . هذه الصيغة الكامنة