الصفحة 14 من 21

السؤال: حين يشعر المسلم السني بالخطر على عقيدته سواء من الغرب أو من إيران ذات المواصفات الصفوية فإنه قطعا لا يمكن أن ينظر إلى تركيا إلا بمنظار تاريخي سواء حضرت إلى المنطقة أو لم تحضر. لكن حين تحضر فمن المؤكد أن هذه النظرة لن تجد لها موضعا في «الحدس» إلا وفق المعادلة التي تقول بأن تركيا، بصيغتها العثمانية القديمة أو بصيغة العثمانية الجديدة، هي الوحيدة القادرة على الردع وإعادة التوازن إلى المنطقة. فهل في مصالحات تركيا، مع نفسها وتاريخها، ما يجعلها تضع في حسبانها هذا «الحدس» فتخرج من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم؟

السؤال الخامس: (الواقع)

على مَنْ تراهن تركيا؟

انزوت العثمانية بصيغتها البنيوية العرقية في إطار الجمهورية بنسبة 70 - 80% من العنصر التركي. بينما في العالم العربي تفككت التركيبة الاجتماعية في صيغة مجتمعات عثمانية الطابع ودول نشأت بموجب معاهدات استعمارية مزقت كل البنى الديمغرافية والجغرافية على السواء. وبين «الانزواء» و «التفكك» وقعت القطيعة التاريخية، وألقت بظلالها على أداء القوى الإسلامية العربية وأداء مثيلتها التركية، متسببة في تمايز جوهري بين الأداءين.

ففي تركيا الجمهورية جرت وقائع الصراع بين العلمانية والإسلام في مدى حيوي محدد المعالم والأهداف على مستوى الشخوص والرموز والأدوات والمؤسسات والجغرافيا والتاريخ. فهو صراع نشأ وظل واقعا في حدود تركيا القومية وليس ببلاد الترك عامة ولا بالبلاد العثمانية خاصة، وهو واقع داخل المجتمع التركي، ومن أجل هوية تركيا وماضيها وحاضرها ومستقبلها. لكن في العالم العربي فإن المدى الحيوي للصراعات كان، ولمّا يزل إلى حد ما، واقع في رحاب «سايكس - بيكو» [27] بين نخب الثقافة العربية وهي تبحث عن ذاتها وهويتها في نطاق عريض من الأفكار والأيديولوجيات والفلسفات الوضعية الوافدة. وتبعا لذلك فالمجتمع والدولة بالنسبة للنخب العربية ظلا واقعين في رحاب الأيديولوجيات وليس في الواقع. أما دول «سايكس - بيكو» فلم تكن منذ لحظة ولادتها لتعبر عن هوية ذات امتداد تاريخي أو ثقافي أو عقدي.

المهم أنه حتى هذه اللحظة لا تبدو الدولة في العالم العربي، وفق «نبض الشارع» ، تتمتع بأية حصانة تذكر. فلا هي على حصانة سياسية ولا هي ذات حصانة اجتماعية ولا وجود لحصانة اقتصادية أو علمية أو ثقافية أو تاريخية. أما لماذا؟ فلأنها دول هامشية صممت لتدور في المركز حتى لو كان بعضها يتمتع بمشروعية تاريخية أو دينية أو ثقل اقتصادي وديمغرافي. لذا من الصعب ملاحظة شخصية من أي نوع وعلى أي مستوى إلى جانب شخصية الحاكم، مثلما يصعب ملاحظة عملية سياسية تنتهي إلى تداول فعلي للسلطة أو حتى مشاركة معتبرة. والأهم أن هذه الدول، المنزوعة من أي شكل من أشكال الحرية والطموح، ليست محصنة حتى على مستوى الجغرافيا. إذ أن انهيارها أو غزوها أو إعادة تقسيمها، بل وإعادة تشكيل المنطقة برمتها أكثر من وارد بالنسبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت