للقوى الأجنبية المهيمنة. ولملاحظة نماذج حية على غياب الحصانة يكفي النظر إلى حالة العراق والصومال والسودان كدول مفككة، وأخرى مهددة بالتفكيك والحروب الأهلية. ونفس التوصيف ينطبق على النظم السياسية. فما أن انهار النظام السياسي في الصومال، مثلا، حتى تفككت الدولة، وكذا نفس الأمر حصل في العراق. ومن أفلت من التفكك طحنته التهديدات والمخاطر والقفر والتخلف والحروب الأهلية.
ومن المسلمات التي باتت أبرز سمات المنطقة أن منظومة السيطرة والتحكم التي صنعت «سايكس - بيكو» لا يضيرها سيادة أي شكل من أشكال النظم السياسية، الراديكالية وغير الراديكالية، طالما أنها تعمل بموجب أدوات النظام الدولي ومعايير العضوية فيه، بل أنها مستعدة حتى للتعايش مع نظم المقاومة التقليدية، لكنها لا تقبل بأدنى محاولة للخروج عن النظام أو السعي نحو التمتع بقدر من الحصانة يسمح بالمرور لبعض عناصر الحرية والأمن والاستقرار إلى رحاب المجتمع والدولة. ومن جهة ثانية فالنظام الذي تقع الدول العربية في إطاره وتحيى به هو نظام، بتأثير من الداخل كما الخارج، هو نظام متوتر وقابل فقط للصراع والتفكك أكثر مما هو قابل للتوحد أو اكتساب المناعة. لذا ليس غريبا أن تكون أكثر المصطلحات شيوعا في الخطاب السياسي والإعلامي والأمني وحتى الديني هي من قبيل تلك الأطروحات الموجهة إلى المجتمع، والداعية إلى التمسك بـ «الوحدة الوطنية» وتجنب «الفتنة» ، والمحافظة على «الأمن والسلم» الاجتماعيين، والحث على «التسامح» ، وضرورة «التعايش المشترك» بين المكونات الاجتماعية، والتجديد الدائم لـ «البيعة» والتأكيد على شرعية «ولاية الأمر» ، و «حكمة الحاكم» و «الحكومة الرشيدة» ... .
إذن، وبخلاف تركيا، فإن المدى الحيوي العربي الذي يبحث عن مكوناته التاريخية وهويته، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، عبر سلسلة من الأطروحات الأيديولوجية كـ «الوحدة العربية» أو «الوحدة الإسلامية» أو «الوحدة الإقليمية» أو حتى «الأممية» مفقود، ولم ينجح في تحقيق أية صيغة تذكر من الاجتماع السياسي إلا باستخدام عناصر القوة المادية والمعنوية. بل أنه تراجع عن مستوى التفاهم والتنسيق البيني لصالح أضيق الأطر حتى فيما يتصل بقضايا المصير المشترك، فضلا عن انحيازه إلى تحالفات خارجية باتت، بالنسبة له، بمثابة المصدر الوحيد للأمن والشرعية بقطع النظر عن أية محاذير عقدية أو مصيرية.
الصورة الرائجة عند «نبض الشارع» باتت تؤمن بأن الدولة وحتى القوى السياسية البائسة ومختلف النخب الاجتماعية لم تكن تمتلك أي مشروع على مستوى الأمة، ولا هي قادرة على امتلاكه أو تقديم البديل. ولعل الأمر الأكثر استفزازا لـ «نبض الشارع» حين يرى أن هذه القوى لم تعد معنية بأكثر من البحث عن مصالحها وامتيازاتها أو الحفاظ على ما لديها مما تعتبره مكاسب ومنجزات حتى لو تعلق الأمر بالاعتقاد وبأخطر مسائل الأمن القومي والمصير الغامض. وهي صيغة عجز غير مسبوقة بهذا القدر والمضمون تشترك فيها الدولة والقوى السياسية المعارضة بنفس المقدار من المسؤولية. باختصار ثمة سلطات حاكمة ومكاسب لكن ليس ثمة دول!