الصفحة 13 من 21

هذا الانقسام بين السنة تجاه إيران لا يحدده فقط مستوى الوعي الناجم عن احتكاك المذهبين السني والشيعي في حيز جغرافي معين. لكنها المصالح التي تصاغ بموجبها المواقف السياسية والتضامنية في العالم العربي بعيدا عن أية مؤثرات عقدية إلا ما تستوجبه الحاجة. وفي ضوء هذا المعيار، فقط، استطاعت إيران النفاذ إلى قلب العالم السني لا لتجد أصدقاء وحلفاء لها فحسب بل من يجيز التعبد بالمذهب الشيعي ويبرر لها الحق في نشر مذهبها بين السنة [22] .

هكذا يمكن ملاحظة قسم من الأمة ترتبط مصالحه مع إيران خاصة إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل، لكن دون أن يتخلى عن حدسه تجاه إيران. وثمة قسم آخر لا يرى في إيران إلا عدوا عقديا لا تقل عداوته للإسلام عن عداوة أمريكا وإسرائيل وحلفائهما له. هذا القسم يعبر عن مخاوفه من اختراقات عقدية شيعية ذات مواصفات صفوية في ضوء: (1) التاريخ الشيعي الذي لم يشارك بفتح إسلامي ولم يدافع عن الأمة بقدر ما خذلها وتحالف مع الأعداء ضدها، وكذلك (2) الخلاف العقدي الواقع في صميم أصول الدين وليس في الفروع كما يروج البعض، و (3) بغض الشيعة الشديد للصحابة ولأمهات المؤمنين، و (4) جهود التشيع التي تدعمها إيران في العالم [23] السني، و (5) النبرة العنصرية للإعلام الإيراني وهي تعظم من شأن النزعة الفارسية المعززة بنزعة الثأر من العرب المسلمين الذين أطاحوا بالإمبراطورية الفارسية، فضلا عن (6) الدور الإيراني الذي يفاخر بالتعاون مع الولايات المتحدة على إسقاط دولتين إسلاميتين [24] .

يغلب الظن على الكثيرين من أهل السنة أن منطق التحالفات الإيرانية وجذر المشكلة يقع في نطاق المشروع الغربي الذي يستفيد من المشروع الإيراني في إثارة الفتنة بين السنة والشيعة محققا اختراقات ملحوظة. وهذا صحيح بدرجة كبيرة. أما الإيرانيون فيستفيدون بدورهم من المشروع الأمريكي عبر تخويف السنة وتقديم أنفسهم كمشروع مقاومة للأمة ضد الخطر الصهيوني مستغلين في ذلك حالة انعدام الوزن في العالم العربي. لكن المسألة تشبه بالضبط حالة الصورة في المرآة، وهي تبدو حقيقية، إلا أنها في الواقع معاكسة تماما. إذ يستحيل على العقل أن يتقبل المنطق الإيراني في لبنان بينما هو على النقيض منه في العراق وأفغانستان، علما أن العدو من المفترض أنه ذاته هنا أو هناك. فكيف يمكن تفسير العلاقات الحميمة بين إيران والولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بينما تكون ذات العلاقات عدائية في لبنان؟ [25]

وتأسيسا على ذلك؛ ثمة من يقول بأن تركيا اليوم هي الوحيدة التي تقف في حالة دفاع. وليس في المنطقة من هو في حالة الهجوم سوى إيران وأمريكا [26] . هذا لأن إيران حضرت إلى المنطقة بمحتويات طائفية الأهداف واستفزازية في الأداء، بينما حضرت الثانية تروم مصالحة مع التاريخ. لكن «نبض الشارع» ليس معنيا بقراءة الحضور التركي تجاه الفارسية إلا في ضوء التاريخ ابتداء من عهد السلاجقة وانتهاء بالعهد العثماني وعظمة الدولة الإسلامية آنذاك، وكيف تصرفت حين كانت الصفوية تطعن في خواصر المرابطين على أبواب فيينا، حاضرة أوروبا آنذاك، بل حتى وهي في حالة ضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت