الصفحة 9 من 21

شكل - ومازال يشكل- حافزا قويا لأبناء هذه التيار، شعروا ومازالوا يشعرون بضرورة الحفاظ على ما تبقى منه. فهناك إذن وعي كبير بهذا الإرث الضخم، وهناك طموح يوازي هذا الوعي بضرورة استعادته، ومعه لا يتوانى بعض أبناء هذا التيار الإسلامي عن الإعلان بأنهم أحفاد الخلافة العثمانية التي تركت هذا الإرث التاريخي الكبير، والذي ما يزال عالقا في ذاكرة كثير من رجالات التيار الإسلامي، وما تزال تشهد عليه الأبنية العظيمة المنتشرة في كثير من مدن تركيا من مساجد وقلاع وقصور وأسوار. لقد شكل هذا الإرث مصدر انبعاث النهضة الإسلامية، والشعور الإسلامي داخل المجتمع التركي ... [12] .

نحسب أن هذا التقييم صحيح إلى حد كبير حتى لو لم يكن تطبيق الشريعة هدفا ذو أولوية عند شخصية مثل نجم الدين أربكان الذي يعطي الأولوية لتحرير تركيا من هيمنة أميركا والصهيونية العالمية [13] . فالحرية بالنسبة للتيار الإسلامي في تركيا، وفي غير تركيا، باتت تسبق أي حديث عن تطبيق الشريعة [14] التي تتعرض لحرب بأشرس أدوات القوة المادية وغير المادية في عقر دار الإسلام. بطبيعة الحال ثمة فرق بين من هو قادر على تطبيق الشريعة ومن هو غير قادر على ذلك. لكن الثابت أن كل الدول العربية إما أنها محاربة للشريعة أو أنها عاجزة عن تطبيقها، وبالتالي ثمة حاجة ماسة، بداية، إلى متنفس يسمح، على الأقل، بالحديث عن الإسلام بشكل عام أو عن الحاجة إلى تنمية الحس الإسلامي أو عن ضرورة التصالح مع الإسلام أو عن ثقافة إسلامية وصولا إلى القدرة على المطالبة بتطبيق الشريعة بحيث تكون الأرضية ممهدة لاستقبال مثل هذا المطلب. ودون ذلك فإن أية محاولة لتطبيق الشريعة قد تنتهي بفشل ذريع وحرب شعواء على الإسلام خاصة وأن القوى الأجنبية والاجتماعية واللبرالية المناهضة لها، في أكثر الدول، هي في الواقع أقوى من الدول ذاتها. ولهذا السبب صارت أغلب القوى الإسلامية تتفلت حتى من الدعوة إلى تطبيق الشريعة، وغدت تجاهر بقبولها بالنظم الدولية وقوانينها خشية اتهامها بالتطرف والغلو! وكأن الدعوة بحد ذاتها صارت تهمة تستوجب الدفع والتبرؤ منها. ولنا في أفغانستان ومصر وتونس والجزائر وحتى في العراق أمثلة حية ومثيرة.

تركيا اليوم ليست هي الدولة العثمانية! ولا هي مستعدة للدخول في مواجهات مفتوحة مع الغرب أو حتى مع داخلها. هذا ما تعتقد به تركيا. وعليه فليس من الحكمة مطالبتها بما يفوق طاقاتها أو يعرض طموحها ومشروع انبعاثها إلى مخاطر شديدة. لكنها لم تقل أنها لا تريد أن تكون بقوة الدولة العثمانية أو بطموحها، ولم تقل أنها مع القطيعة التاريخية، ولم تقل أنها كانت على صواب لما كان غيرها على خطأ، ولم تقل أنها تبحث عن مصالحها دون مصالح الآخرين.

فمن عرف عاصمة العالم قبل عشرين سنة وعاينها اليوم يدرك حجم التغيرات الجبارة التي وقعت في مستوى الحضور الإسلامي وخاصة العثماني بصيغته الإمبراطورية. هذا يؤشر على أنه باستطاعة تركيا أن تستمع لغيرها أو أن تأخذ بعين الاعتبار الدعوات الإسلامية العربية التي تتحدث اليوم، بداية، عن «الحكم الراشد» [15] في الدول كمقدمة على طريق الخلافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت