الحقوقية في مضمون» الدستور «المصري لتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض ... في محاولة محمومة لفرض» الوصاية الدولية «على مصر.
وفي تونس قدمت السلطة الجديدة، أول ما قدمت، استحقاقات سياسية ودستورية وأمنية واقتصادية. واستقبلت المحافل السياسية والبحثية والإعلامية الدولية رموز الحكم في تونس، وقامت باستنطاقهم سياسيا فيما يتعلق بالصراع العربي» الإسرائيلي «و» التطبيع مع إسرائيل « (2) ، وحرية المرأة وانتزعت منها التزاما بعدم المساس بـ» حداثة «المجتمع التونسي، وآخر بـ» اقتصاد السوق «، وبحقوق القوى الأيديولوجية من اللبراليين والعلمانيين واليساريين، وبمحتوى» الدستور «لاسيما ما يتعلق منه في» التطبيع مع إسرائيل «أو في مسألة» الشريعة «كمصدر للتشريع. كما انتزعت منها تحالفات في مسائل» الأمن الدولي «والتنسيق في» مكافحة الإرهاب «، بدء من إعادة العمل بقانون 2004 مرورا بمحادثات إقامة» وكالة أمنية « (3) مع الولايات المتحدة مرورا باستفزاز» السلفيين «وجرهم إلى ساحة العنف أو مطاردتهم والزج بهم في المعتقلات والسجون.
وتمخض عن عمليات الاستنزاف والاحتواء وسياسات ما يسمى بـ» التوافق «و» الاعتدال «ظهور حركة» نداء تونس «التي جمعت، بزعامة الباجي قائد السبسي، أحد أساطين النظام البائد، كافة» القوى المضادة للثورة «. بل أن السبسي استقبل في فرنسا كأحد عظماء تونس بالمقارنة حتى مع الرئيس المنصف المرزوقي أو رئيس» حركة النهضة «، راشد الغنوشي. ووصل الأمر بالفرنسيين أن طالبوا بدعم اللبراليين وعدم الثقة بالإسلاميين (4) . وغدت القوى الإسلامية بما فيها، القوى السلفية، شديدة الخشية من بطش القوى اللبرالية التي تحظى بكل الدعم الغربي. وبدلا من أن تعيد القوى الإسلامية، وخاصة» حركة النهضة «، النظر في سياساتها، ظلت تتزلف للبراليين (5) ، وتقدم المزيد من التطمينات والضمانات لقوى» المركز «الذي لا يعنيه من أمر تونس شيء بقدر ما يعنيه أمور مثل حرية المرأة والأمن وترك الحبل على الغارب للقوى المناهضة، إلى أن غدت البلاد مرتعا للقوى اللبرالية ولأجهزة الاستخبارات الدولية، وسط أجواء لا تغيب عنها طائرات» بريديتر « (6) ولا تصريحات» التفاخر «بقتل 10 - 15 سلفيا تونسيا (7) أو التهجم عليهم باعتبارهم» سرطان « (8) . وهكذا بدت الأمة تخسر من الثورات أكثر مما خسرته في عهود» الاستبداد «و» التوحش الأمني «.
وفي ليبيا التي تعاني من التهرب من إقرار قانون» العزل «السياسي؛ كان أول تصريح للرئيس الفرنسي الأسبق، نيقولا ساركوزي، بعد سقوط القذافي، يتصل بدعوة القادة الجدد إلى فرنسا للتفاوض على إعمار ليبيا واقتصادها ونفطها. أما أول تصريحات أدلت بها المفوضة الأوروبية، كاترين آشتون، بعد محادثات أجرتها مع القادة الجدد لدى زيارتها ليبيا، فكانت تتعلق بما تلقته من ضمانات من القوى السياسية تتعلق بحرية المرأة وحقها في المشاركة في العملية السياسية. أما عمليات النهب والفساد فتجتاح ليبيا بصورة لا مثيل لها حتى في عهد القذافي. ففي عهد حكومة علي الكيب، السابقة على حكومة علي زيدان، تم إنفاق 3.7 مليار دولار على أثاث المكاتب (9) !! وفي آخر ميزانية لليبيا خصصت حكومة زيدان 16 مليار دولار رواتب موظفين (10) !!! في حين أن عدد سكان ليبيا لا يزيد قليلا عن ستة ملايين نسمة.