فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 556

ومذهب الغزاليّ في ذلك أيضا أنّ التّعبّديّ أفضل، كما هو واضح فيما تقدّم النّقل عنه من قوله: إنّ ما لا يهتدى لمعانيه أبلغ أنواع التّعبّدات في تزكية النّفوس.

وفي حاشية ابن عابدين: أنّ هذين القولين في الأفضليّة هما على سبيل الإجمال، أمّا بالنّظر إلى الجزيئات، فقد يكون التّعبّديّ أفضل كالوضوء وغسل الجنابة، فإنّ الوضوء أفضل.

وقد يكون المعقول أفضل كالطّواف والرّمي، فإنّ الطّواف أفضل.

«خصائص التّعبّديّات»

20 -من أحكام التّعبّديّات:

أ - أنّه لا يقاس عليها، لأنّ القياس فرع معرفة العلّة، والفرض: أنّ التّعبّديّ لم تعرف علّته، فيمتنع القياس عليه، ولا يتعدّى حكمه موضعه، سواء أكان مستثنى من قاعدة عامّة ولا يعقل معنى الاستثناء، كتخصيص النّبيّ صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة، وتخصيص أبي بردة بالتّضحية بعناق، أم لم يكن كذلك، بل كان حكما مبتدأ، كتقدير أعداد الرّكعات، ووجوب شهر رمضان، ومقادير الحدود والكفّارات وأجناسها، وجميع التّحكّمات المبتدأة الّتي لا ينقدح فيها معنى، فلا يقاس عليها غيرها.

21 -وبناء على هذا الأصل وقع الخلاف بين الفقهاء في فروع فقهيّة، منها: رجم اللّوطيّ، رفضه الحنفيّة، وأثبته مالك وأحمد في رواية عنه والشّافعيّ في أحد قوليه.

قال الحنفيّة: لا يجري القياس في الحدود والكفّارات، لأنّ الحدود مشتملة على تقديرات لا تعرف، كعدد المائة في حدّ الزّنى، والثّمانين في القذف، فإنّ العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد، قالوا: وما كان يعقل منها - أي من أحكام الحدود - فإنّ الشّبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب عدم إثباته بالقياس، وهذا كقطع يد السّارق لكونها جنت بالسّرقة فقطعت.

وهكذا اختلاف تقديرات الكفّارات، فإنّه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الرّكعات.

وأجاز غير الحنفيّة القياس في الحدود والكفّارات، لكن فيما يعقل معناه من أحكامها لا فيما لا يعقل منها، كما في غير الحدود والكفّارات.

ب - قال الشّاطبيّ: إنّ التّعبّديّات ما كان منها من العبادات فلا بدّ فيه من نيّة كالطّهارة، والصّلاة، والصّوم.

ومن لم يشترط النّيّة في بعضها فإنّه يبني على كون ذلك البعض معقول المعنى، فحكمه كما لو كان من أمور العادات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت