معنى التوكيد. وقال بعضهم: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلِمَ انهزمتم؟.
لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة , وأصابهم القتل والهزيمة. أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير. قتل منهم سبعون صحابيا , وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم وشج وجهه , وأرهقه المشركون , وأثخن أصحابه بالجراح. . وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس , وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر , حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: أنى هذا ? وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون ?!
والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض. يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور. فهم ليسوا بدعا في الحياة ; فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف , والأمور لا تمضي جزافا , إنما هي تتبع هذه النواميس , فإذا هم درسوها , وأدركوا مغازيها , تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث , وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع , واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث , وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام. واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق. ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين , لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر , وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول.
والسنن التي يشير إليها السياق هنا , ويوجه أبصارهم إليها هي:
عاقبة المكذبين على مدار التاريخ. ومداولة الأيام بين الناس. والابتلاء لتمحيص السرائر , وامتحان قوة الصبر على الشدائد , واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.
وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال , والمواساة في الشدة , والتأسية على القرح , الذي لم يصبهم وحدهم , إنما أصاب أعداءهم كذلك , وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا , وأهدىمنهم طريقا ومنهجا , والعاقبة بعد لهم , والدائرة على الكافرين.
(قد خلت من قبلكم سنن , فسيروا في الأرض , فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) . .
إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها , وحاضرها بماضيها , فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها. وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم , ولم تكن معارفهم , ولم تكن تجاربهم - قبل
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 66) وفي ظلال القرآن - (ج 1 / ص 450)