فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 556

وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة، رضي الله عنهم، في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا} الآيات [الأحزاب: 10 - 12] .

ولما سأل هرقلُ أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان الحرب بينكم؟ قال: سِجَالا يدال علينا ونُدَال عليه. قال: كذلك الرسل تُبْتَلى، ثم تكون لها العاقبة.

وقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} أي: سنتهم. كما قال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ} [الزخرف: 8] .

وقوله: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} أي: يستفتحون على أعدائهم، ويَدْعون بقُرْب الفرج والمخرج، عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} كما قال: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6] .

وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلُها؛ ولهذا قال تعالى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} وفي حديث أبي رَزين:"عَجب ربّك من قُنُوط عباده، وقُرْب غيثه فينظر إليهم قَنطين، فيظل يضحك، يعلم أنّ فرجهم قريب"الحديث.

ويقول القرطبي رحمه الله[1]:

قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجنة} «حسبتم» معناه ظننتم. قال قَتادة والسدّيّ وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدّة، والحرّ والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد؛ وكان كما قال الله تعالى: {وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] . وقيل: نزلت في حرب أحد؛ نظيرها في آل عمران {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُوا مِنكُمْ} [آل عمران: 142] . وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق؛ فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم «أَمْ حَسِبْتُمْ» . و «أم» هنا منقطعة، بمعنى بل؛ وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها، و «حسبتم» تطلب مفعولين؛ فقال النحاة: «أن تدخلوا» تسدّ مسدّ المفعولين. وقيل: المفعول الثاني محذوف: أحسبتم دخولكم الجنة واقعًا. و «لمّا»

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 618)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت