فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 556

ثم قال تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} ثم أخبر تعالى بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجِنَان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما؛ ولهذا قال تعالى: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض".

وقال الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من بلغ بسهم فله أجره درجة"فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال:"أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام".

ويقول القرطبي رحمه الله[1]:

فيه خمس مسائل:

الأولى قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين} قال ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. ثم قال: {غَيْرُ أُوْلِي الضرر} والضّرَر الزَّمَانة. روى الأئمة واللفظ لأبي داود"عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشِيته السكينة فوقعت فخِذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثِقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سُرِّي عنه فقال: «اكتب» فكتبت في كَتِف «لا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالمْجَاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ الله» إلى آخر الآية؛ فقام ابن أُم مكتوم وكان رجلًا أعمى لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشِيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرّة الثانية كما وجدت في المرّة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اقرأ يا زيد» فقرأت {لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {غَيْرُ أُوْلِي الضرر} الآية كلها. قال زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها؛ والذي نفسي بيده لكأنِّي أنظر إلى ملحقها عند صَدْع في كَتِف"وفي البخارِي عن مِقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول: {لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين} عن بدر والخارجون إلى بدر. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذْ قد أضرّت بهم حتى منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر أنه عليه السَّلام قال وقد قفل من بعض غزواته:"إن بالمدينة رجالًا ما قطعتم وادِيًا ولا سِرتم مسِيرًا إلاَّ كانوا معكم أُولئك قوم"

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1482)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت