عليه من المصائب، ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه"."
وقوله {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد.
أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحق. وهو - سبحانه - يحب الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد.
وقيل: سمى شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة. وقيل: سمى شهيدا، لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك في فضلها قوله - تعالى - {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} الآية. وفى الحديث الشريف"أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"".
وقوله - تعالى - {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} جملة معترضة لتقدير مضمون ما قبلها.
أى: والله - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء دين الله، ونصره شريعته.
ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحد فقال: {وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكافرين} .
وقوله {وَلِيُمَحِّصَ} من المحص بمعنى التنقية والتخليص. يقال: محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث.
أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار.
وقوله {وَيَمْحَقَ} من المحق وهو محو الشئ والذهاب به، وأصله نقص الشئ قليلا قليلا حتى يفنى. يقال: محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق، لأخر الشهر، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى.