خلصنا من عقوبتها. وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل: التمحيص التخليص. يقال: محَّصَه (يمحصه) مَحْصًا إِذا خلصه؛ فالمعنى عليه ليبتلي المؤمنين ليُثِيبهم ويخلِّصهم من ذنوبهم. {وَيَمْحَقَ الكافرين} أي يستأصلهم بالهلاك.
«أم» بمعنى بل. وقيل: الميم زائدة، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الّذين قُتلوا وصبروا على ألَمِ الجِراح والقتل من غير أن تَسْلُكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا؛ حتى {يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُوا مِنكُمْ} أي عِلْم شهادة حتى يقع عليه الجزاء. والمعنى: ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم؛ فلما بمعنى لم. وفرق سيبويه بين «لم» و «لما» ، فزعم أن «لم يَفعلْ» نفى فَعَل، وأن «لَمّا يفعلْ» . نفى قد فَعَل. {وَيَعْلَمَ الصابرين} منصوب بإضمار أن؛ عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن يَعمَر «يَعْلَمِ الصَّابرينَ» بالجزم على النسق. وقرئ بالرفع على القطع، أي وهو يعلم. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو. وقال الزجاج. الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كام تقدّم آنفًا.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت} أي الشهادة من قبل أن تلقوه. وقرأ الأعمش {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاَقُوهُ} أي من قبل القتل. وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيرًا ممن لم يحضروا بدرًا كانوا يتَمنَّون يومًا يكون فيه قِتال، فلما كان يوم أُحُد انهزموا، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إِيْهًا إنها ريح الجنةا إني لأجدها، ومضى حتى استشهد. قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعًا وثمانين جراحة. وفيه وفي أمثاله نزل {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] . فالآية عِتاب في حق من انهزم، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة، وسيأتي. وتَمنِّي الموت يرجع من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدّى إلى القتل.
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} مثل {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] . وقيل: معناه وأنتم بُصَرَاء ليس في أعينكم عِلَلٌ؛ (كما) تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك عِلّة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة؛ وهذا راجع إلى