فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 556

السراء قد تحول، وكما لم تثبت نوبة المنحة، فلن تلبث نوبة المحنة، فما أعظم طمأنينة قلب من كان هذه حاله، وهنيئًا له الفوز بالدرجات العلى يوم القيامة.

ويعقوب عليه السلام طراز فريد من أولئك، وقد جمع بين الصبر الجميل وبين التعلق بالله القدير، ففر إلى من بيده مفاتيح الفرج سبحانه، لعلمه بأن من آوى إليه كفاه، فالفزع إلى الله -تعالى- عند نزول المصائب يربط على القلب، ويقرِّب من الرب، ويخفف من وطأة المصيبة على النفس، وهو دأب الصالحين في كل زمان. ونبينا - صلى الله عليه وسلم- كان"إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" (3) . وأحسن من قال:

إذا أرهقتك هموم الحياة ومسك منها عظيم الضرر

و ذُقت الأمرين حتى بكيت وضج فؤادك حتى انفجر

وسُدت بوجهك كل الدروب و أوشكت تسقط بين الحفر

فيمِّم إلى الله في لهفة و بث الشكاة لرب البشر

ولا ينافي الصبر والفرار إلى الله بذل الأسباب بل يقتضيها، فهذا يعقوب _عليه السلام_، صاحب الصبر الجميل، قال وهو الصادق فيما يقول:"إنما أشكو بثي وحزني إلى الله"، ومع ذلك لم يغفل قانون الأسباب،"يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"، فأنت تراه يوجه بنيه كل بنيه: يا بَنيَّ، لا تيأسوا من روح الله، فكل عسير إذا يسره الله يهون، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، لا يقعدنكم اليأس، تحركوا وامضوا، فباحثوا عن أخبار من تلوموني في ذكره، وعن أخيه، وفي هذا بيان لقوة نفسه عليه السلام وثبات جنانه، ولك أن تقدر ما يقوله الناس له، وعظيم إنكارهم عليه، وما يتحدثون به في مجتمعه، وخذ مقياسًا لذلك كلمة بنيه:"تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين"فإذا كان هذا قول الأبناء المقربين فكيف بالغرباء الأبعدين، بل كيف بمن لم يعرف له مقام نبوة؟ إنك ترى كثيرًا من الناس ربما قال بحق في مسألة من المسائل التي بدت له أدلتها، وظهر له برهانها، فيلبث قليلًا فيعظم إنكار بعض الناس عليه، فيخنس! أما الأنبياء .. أما من عرف قدر الحق من أصحاب النفوس القوية فلا، بل يثبتهم اليقين فيصبرون، وعندها يجعل الله منهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون. إن يعقوب عليه السلام لقي من الإنكار ما لقي حتى من الأبناء، وربما رأى من لا يبصر بنور الوحي أن رأيهم هو الرأي، إلاّ أن يقين يعقوب وصبره عكسا القضية، فإذا بالمُنْكِرِ المخالفِ منذ قليل يتوجه إلى البحث عما أنكر، لما رأى الصبر واليقين ماثلين أمامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت