فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 556

دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان. . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعًا مفتوحًا لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات , بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ; وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت ; وأنشأت مركبًا عضويًا فائقًا في فترة تعد نسبيًا قصيرة ; وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة. على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان.

لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق: العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونسي والإفريقي. . . إلى آخر الأقوام والأجناس. وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية. ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يومًا ما"عربية"إنما كانت دائمًا"إسلامية". ولم تكن يومًا ما"قومية"إنما كانت دائمًا"عقيدية". .

ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة , وبآصرة الحب , وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. . فبذلوا جميعًا أقصى كفاياتهم , وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ; وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية التاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعًا على قدم المساواة ; وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد ; وتبرز فيها"إنسانيتهم"وحدها بلا عائق. . وهذا ما لم يتجمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ!. .

لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلًا. فقد ضمت بالفعل أجناسًا متعددة ; ولغات متعددة , وأرضين متعددة. . . ولكن هذا كله لم يقم على آصرة"إنسانية"ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة. . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية , وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى. . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي ; ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي.

كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى. . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلًا. . ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه! تجمعًا قوميًا استغلاليًا ; يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية , واستغلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت