فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 556

عين بالاسم حذيفة قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني!. . ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة. .

ولكن كان إلى جانب الزلزلة , وزوغان الأبصار , وكرب الأنفاس. . كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله ; والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله ; والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن ; وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها. ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببا في انتظار النصر. ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم , مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله ? ألا إن نصر الله قريب) . . وها هم أولاء يزلزلون. فنصر الله إذن منهم قريب! ومن ثم قالوا: (هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله) . . (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) . .

(هذا ما وعدنا الله ورسوله) . . هذا الهول , وهذا الكرب , وهذه الزلزلة , وهذا الضيق. وعدنا عليه النصر. . فلا بد أن يجيء النصر: (وصدق الله ورسوله) . . صدق الله ورسوله في الإمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها. . ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله: (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) . .

لقد كانوا ناسا من البشر , لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر , وضعف البشر. وليس مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ; ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ; ويفقدوا خصائصه ومميزاته. فلهذا خلقهم الله. خلقهم ليبقوا بشرا , ولا يتحولوا جنسا آخر. لا ملائكة ولا شياطين , ولا بهيمة ولا حجرا. . كانوا ناسا من البشر يفزعون , ويضيقون بالشدة , ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة. ولكنهم كانوا - مع هذا - مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله ; و تمنعهم من السقوط ; وتجدد فيهم الأمل , وتحرسهم من القنوط. . وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير.

وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور. علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرا , لم يتخلوا عن طبيعة البشر , بما فيها من قوة و ضعف. وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان , في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء.

وحين نرانا ضعفنا مرة , أو زلزلنا مرة , أو فزعنا مرة , أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق. . فعلينا ألا نيأس من أنفسنا , وألا نهلع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت