فهرس الكتاب
ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد - ليرد الأمر كله إلى الله , ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع. فليس شيء منها عبثا ولا مصادفة. إنما تقع وفق حكمة مقدرة , وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب. وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: (إن الله كان غفورا رحيما) . .
ويختم الحديث عن الحدث الضخم بعاقبته التي تصدق ظن المؤمنين بربهم ; وضلال المنافقين والمرجفين وخطأ تصوراتهم ; وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية:
(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا , وكفى الله المؤمنين القتال , وكان الله قويا عزيزا) . .
وقد بدأت المعركة , وسارت في طريقها , وانتهت إلى نهايتها , وزمامها في يد الله , يصرفها كيف يشاء. وأثبت النص القراني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره. فأسند إلى الله تعالى إسنادا مباشرا كل ما تم من الأحداث والعواقب , تقريرا لهذه الحقيقة , وتثبيتا لها في القلوب ; وإيضاحا للتصور الإسلامي الصحيح.
وقال الجصاص:
بَابٌ الْقَوْلُ) (فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: أَفْعَالُ النَّبِيِّ عليه السلام الْوَاقِعَةُ عَلَى قَصْدٍ مِنْهُ يَقْتَسِمُهَا وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ. وَاجِبٌ , وَنَدْبٌ , وَمُبَاحٌ , إلَّا مَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ الْمَعْفُوَّةِ. فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِعْلٌ لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُقُوعِهِ مِنْهُ , عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا , فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْنَا مِنْ حُكْمِهَا. فَقَالَ قَائِلُونَ: وَاجِبٌ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَهُ , حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيْنَا فِعْلُهُ , حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِهِ , وَلَنَا فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ , إذْ كَانَ ذَلِكَ أَدْنَى مَنَازِلِ أَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ آخَرُونَ: نَقِفُ فِيهِ , وَلَا نَفْعَلُهُ , لَا عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ , وَلَا غَيْرِهَا , حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا إذَا عُلِمَ وُقُوعُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: مِنْ الْإِبَاحَةِ , وَالنَّدْبِ وَالْإِيجَابِ. فَقَالَ قَائِلُونَ: عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِيهِ , وَإِيقَاعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِعْلُهُ , حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ , وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ رحمه الله يَقُولُ: ظَاهِرُ فِعْلِهِ عليه السلام لَا يَلْزَمُنَا بِهِ شَيْءٌ , حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى لُزُومِهِ لَنَا , وَلَا أَحْفَظُ عَنْهُ الْجَوَابَ أَيْضًا , إذَا عُلِمَ وُقُوعُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي مِنْ مَذْهَبِهِ , أَنَّهُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِيهِ , عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ , فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ فِعْلِهِ عليه