فهرس الكتاب
أَحْوَالِهِمْ وَعُلُوِّ مَنَازِلِهِمْ , وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا فَفِي كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُمْ بِصِفَةِ الْخُصُوصِ يَجِبُ بَيَانُ الْخُصُوصِيَّةِ مُقَارِنًا بِهِ إذْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ مَاسَّةٌ عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ حُكْمُهُ بِخِلَافِ هَذَا الْأَصْلِ وَالسُّكُوتُ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ دَلِيلُ النَّفْيِ فَتَرْكُ بَيَانِ الْخُصُوصِيَّةِ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا قُدْوَةُ أُمَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَصْلَ هُوَ الِاخْتِصَاصُ وَالِاشْتِرَاكُ لِعَارِضٍ وَعِنْدَ الْجَصَّاصِ الْأَصْلُ هُوَ الِاتِّبَاعُ وَالْخُصُوصِيَّةُ بِعَارِضٍ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ بِعَارِضٍ وَالْعَارِضُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ. قَوْلُهُ (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا تَقْسِيمُ السُّنَنِ فِي حَقِّنَا) أَيْ هَذَا الْبَابُ لِتَقْسِيمِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ عليه السلام فِي حَقِّنَا , فَإِنَّهُ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الِاتِّبَاعِ الَّذِي هُوَ رَاجِعٌ إلَيْنَا وَلِهَذَا أُدْخِلَ فِيهِ الْوَاجِبُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَوَّلِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ إلَى مَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ تَقْسِيمُ السُّنَّةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا وَهَذَا الْبَابُ الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ.
وفي إعلام الموقعين:
[يُصَارُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَإِلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ] : وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ; إذْ اجْتِهَادُ الرَّايِ إنَّمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ كَمَا تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ الْقِيَاسِ , فَقَالَ: عِنْدَ الضَّرُورَةِ , ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَرَى لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ , وَتَنَاظَرَ فِي ذَلِكَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ , فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ , هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , فَرَجَعَ زَيْدٌ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: مَا أَرَاك إلَّا قَدْ صَدَقْت , ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَاسًا , حَتَّى زَعَمَ رَافِعٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهَا , فَتَرَكْنَاهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ الطِّيبِ قَبْلَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ وَبَعْدَ الْجَمْرَةِ , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ , وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ , وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَتَرَكَ سَالِمٌ قَوْلَ جَدِّهِ لِرِوَايَتِهَا , قُلْت: لَا كَمَا تَصْنَعُ فِرْقَةُ التَّقْلِيدِ. وَقَالَ الْأَصَمُّ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ لِنُعْطِيَنَّك جُمْلَةً تُغْنِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ , لَا تَدَعْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا أَبَدًا إلَّا أَنْ يَاتِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خِلَافَهُ فَتَعْمَلَ بِمَا قُلْت لَك فِي الْأَحَادِيثِ إذَا اخْتَلَفَتْ. قَالَ الْأَصَمُّ: وَسَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعُوا مَا قُلْت , وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ