فهرس الكتاب
يحلفون بالله لكم ليرضوكم , على طريقة المنافقين في كل زمان , الذين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من وراء الظهور ; ثم يجبنون عن المواجهة , ويضعفون عن المصارحة , فيتضاءلون ويتخاذلون للناس ليرضوهم.
(واللّه ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) . .
فماذا يكون الناس ? وماذا تبلغ قوتهم ? ولكن الذي لا يؤمن باللّه عادة ولا يعنو له , يعنو لإنسان مثله ويخشاه ; ولقد كان خيرًا أن يعنو للّه الذي يتساوى أمامه الجميع , ولا يذل من يخضع له , إنما يذل من يخضع لعباده , ولا يصغر من يخشاه , إنما يصغر من يعرضون عنه فيخشون من دونه من عباد اللّه.
(ألم يعلموا أنه من يحادد اللّه ورسوله فأن له نار جهنم خالدًا فيها , ذلك الخزي العظيم) . . سؤال للتأنيب والتوبيخ , فإنهم ليدعون الإيمان , ومن يؤمن يعلم أن حرب اللّه ورسوله كبرى الكبائر , وأن جهنم في انتظار من يرتكبها من العباد , وأن الخزي هو الجزاء المقابل للتمرد. فإذا كانوا قد آمنوا كما يدعون , فكيف لا يعلمون ?
إنهم يخشون عباد اللّه فيحلفون لهم ليرضوهم , ولينفوا ما بلغهم عنهم. فكيف لا يخشون خالق العباد , وهم يؤذون رسوله , ويحاربون دينه. فكأنما يحاربون اللّه , تعالى اللّه أن يقصده أحد بحرب! إنما هو تفظيع ما يرتكبون من إثم , وتجسيم ما يقارفون من خطيئة , وتخويف من يؤذون رسول اللّه , ويكيدون لدينه في الخفاء.
وإنهم لأجبن من أن يواجهوا الرسول والذين معه , وإنهم ليخشون أن يكشف اللّه سترهم , وأن يطلع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نواياهم:
يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم. قل استهزئوا إن اللّه مخرج ما تحذرون. ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب. قل: أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ? لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ; إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين. .
إن النص عام في حذر المنافقين أن ينزل اللّه قرآنًا يكشف خبيئتهم , ويتحدث عما في قلوبهم , فينكشف للناس ما يخبئونه. وقد وردت عدة روايات عن حوادث معينة في سبب نزول هذه الآيات.
قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة , وأجبننا عند اللقاء [يقصدون قراء القرآن] فرفع ذلك إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فجاء إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته ; فقال: يا