التكليف الشاق , الضروري الذي لا مفر منه لإقامة هذا المنهج وحراسته في الأرض. . .
ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها بالتحسين والتزيين: (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) . . فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير الأكيد. . ثم يفصل هذا الخير في آية تالية مستقلة , لأن التفصيل بعد الإجمال يشوق القلب إليه , ويقره في الحس ويمكن له: (يغفر لكم ذنوبكم) . . وهذه وحدها تكفي. فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنبه ثم يتطلع بعدها إلى شيء ? أو يدخر في سبيلها شيئا ? ولكن فضل الله ليست له حدود: (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن) . .
وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة - حتى حين يفقد هذه الحياة كلها - ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم. . وحقا. . (ذلك الفوز العظيم) . .
وكأنما ينتهي هنا حساب التجارة الرابحة. وإنه لربح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخذ الآخرة. فالذي يتجر بالدرهم فيكسب عشرة يغبطه كل من في السوق. فكيف بمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه الأرض , ومتاع محدود في هذه الحياة الدنيا , فيكسب به خلودا لا يعلم له نهاية إلا ما شاء الله , ومتاعا غير مقطوع ولا ممنوع ?
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)
لقد تمت المبايعة على هذه الصفقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة - رضي الله عنه - ليلة العقبة. قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"اشترط لربك ولنفسك ما شئت". فقال صلى الله عليه وسلم:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا , وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". . قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك ? قال:"الجنة"قالوا:"ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل"!
ولكن فضل الله عظيم. وهو يعلم من تلك النفوس أنها تتعلق بشيء قريب في هذه الأرض , يناسب تركيبها البشري المحدود. وهو يستجيب لها فيبشرها بما قدره في علمه المكنون من إظهار هذا الدين في الأرض , وتحقيق منهجه وهيمنته على الحياة في ذلك الجيل: (وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب. وبشر المؤمنين) . .
وهنا تبلغ الصفقة ذروة الربح الذي لا يعطيه إلا الله. الله الذي لا تنفد خزائنه , والذي لا ممسك لرحمته. فهي المغفرة والجنات والمساكن الطيبة والنعيم المقيم في الآخرة. وفوقها. .
فوق البيعة الرابحة والصفقة الكاسبة النصر والفتح القريب. . فمن الذي يدله الله على هذه التجارة ثم يتقاعس عنها أو يحيد ?!