فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 556

الأخرى أن يكون على التكرير؛ والتقدير {الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا} أَحَسِبُوا {أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قومًا من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام؛ كسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمّار بن ياسر وياسر أبوه وسُميّة أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم. فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكِر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين؛ قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلِّية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارًا للمؤمنين وفتنة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر. وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وإذا اعتبر أيضًا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدوّ في كل ثغر.

قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه. وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بَدْر؛ رماه عامر بن الحضرميّ بسهم فقتله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: «سيد الشهداء مِهْجَع وهو أوّل من يُدْعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت: {الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا} . وقال الشعبي: نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم. فنزلت فيهم هذه الآية: {الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا} فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا؛ فقالوا: نخرج وإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل: 110] . {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} يمتحنون؛ أي أَظنَّ الذين جزعوا من أذى المشركين أن يُقنَع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبيّن به حقيقة إيمانهم.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه. وروى البخاريّ عن خَبّاب بن الأَرَتّ: قالوا"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بُردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا. فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمِنْشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويُمَشط بأمشاط الحديد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت