فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 556

ذَلِكَ فِي"الْعَقِيدَةِ"وَلَمْ أَقُلْ: بِمَا يُنَاقِضُهُ؛ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَجْدِيدِ الْخَطِّ. وَقُلْت: هَذَا اللَّفْظُ قَدْ حَكَى إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَمَا فِي عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا هَؤُلَاءِ الْخُصُومُ. قُلْت: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: مَا فَوْقَ الْعَرْشِ رَبٌّ يُدْعَى وَلَا فَوْقَ السَّمَاءِ إلَهٌ يُعْبَدُ؛ وَمَا هُنَاكَ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ وَالنَّفْيُ الصِّرْفُ وَأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلَكِنْ صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ وَنَزَلَ. وَأَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى اللَّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هُوَ هَذَا الْوُجُودُ؛ وَأَنَا اللَّهُ؛ وَأَنْتَ اللَّهُ؛ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْعَذِرَةُ وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِي ذَلِكَ. فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَهَالَهُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا. فَقَالَ"هَؤُلَاءِ"يَعْنِي ابْنَ مَخْلُوفٍ وَذَوِيهِ فَقُلْت: هَؤُلَاءِ مَا سَمِعْت كَلَامَهُمْ وَلَا خَاطَبُونِي بِشَيْءِ؛ فَمَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَقُولَ عَنْهُمْ مَا لَمْ أَعْلَمْهُ؛ وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلُ الَّذِينَ نَازَعُونِي بِالشَّامِ وَنَاظَرُونِي وَصَرَّحُوا لِي بِذَلِكَ وَصَرَّحَ أَحَدُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقُولُهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يُخَالِفُهُمْ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ يُصْغِي لِمَا أَقُولُهُ وَيَعِيهِ: لَمَّا رَأَى غَضَبِي وَلِهَذَا بَلَغَنِي مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ خَرَجَ فَرِحًا مَسْرُورًا بِمَا سَمِعَهُ مِنِّي. وَقَالَ: هَذَا عَلَى الْحَقِّ وَهَؤُلَاءِ قَدْ ضَيَّعُوا اللَّهَ وَإِلَّا فَأَيْنَ هُوَ اللَّهُ؟ وَهَكَذَا يَقُولُ كُلُّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ. كَمَا قَالَهُ: جَمَالُ الدِّينِ الْأَخْرَمُ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ لَمَّا خَاطَبَهُ الْمَلِكُ الْكَامِلُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ فَقَالَ لَهُ الْأَخْرَمُ: هَؤُلَاءِ قَدْ ضَيَّعُوا إلَهَك فَاطْلُبْ لَك إلَهًا تَعْبُدْهُ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ حَقِيقَةً عَلِيمٌ حَقِيقَةً قَدِيرٌ حَقِيقَةً سَمِيعٌ حَقِيقَةً بَصِيرٌ حَقِيقَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُ ذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ الْبَاطِنِيَّةُ. فَيَقُولُونَ: نُطْلِقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَلَا نَقُولُ إنَّهَا حَقِيقَةٌ. وَغَرَضُهُمْ بِذَلِكَ جَوَازُ نَفْيِهَا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا حَيَّ حَقِيقَةً وَلَا مَيِّتَ حَقِيقَةً وَلَا عَالِمَ وَلَا جَاهِلَ وَلَا قَادِرَ وَلَا عَاجِزَ وَلَا سَمِيعَ وَلَا أَصَمَّ. فَإِذَا قَالُوا إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَجَازٌ: أَمْكَنَهُمْ نَفْيُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَلَامَةَ الْمَجَازِ صِحَّةُ نَفْيِهِ. فَكُلُّ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَزِمَهُ جَوَازُ إطْلَاقِ نَفْيِهِ فَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ يَقُولُ لَيْسَ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صِحَّةُ نَفْيِهِ. فَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِأَسَدِ وَلَا بِحِمَارِ وَلَكِنَّهُ آدَمِيٌّ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَهُمْ لَا يَسْتَوِي اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ. كَقَوْلِ إخْوَانِهِمْ لَيْسَ هُوَ بِسَمِيعِ وَلَا بَصِيرٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عِنْدَهُمْ مَجَازٌ. فَيَاتُونَ إلَى مَحْضِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يُقَابِلُونَهُ بِالنَّفْيِ وَالرَّدِّ؛ كَمَا يُقَابِلُهُ الْمُشْرِكُونَ بِالتَّكْذِيبِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَنْفُونَ اللَّفْظَ مُطْلَقًا. وَقَالَ الطلمنكي أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ - قَبْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ والباجي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت