فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 61

وهذا نفرٌ من بني يهود يأتي إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم طمعًا في فتنته عن دينه لمّا يسألونه أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله فيأبى ذلك, وينزل قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ) .

ثم يأتي رجالٌ من اليهود يدّعون أنّه لا دين أفضل من اليهودية, وآخرون من النصارى يدّعون أنّه لا دين أفضل من النصرانية, فينزل قوله تعالى مجيبًا: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) .

ولقطع كل أماني الشيطان ودحر أطماع المشركين ينزل قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .

ثم يأتي اليوم المشهود لهذه الأمّة في حجّة الوداع وينزل البلاغ العظيم إلى الناس في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) .

ويزيد الفضل درجة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجّة الوداع فقال:"إنّ الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله, وسنّة نبيه".

وفيما رواه الإمام الطبراني في الكبير عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أبشروا, أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟"قالوا: بلى, قال:"إنّ القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسّكوا به فإنّكم لن تضِلّوا ولن تهلكوا بعده أبدًا".

فكانت خاصيّة دين الإسلام أنّ أحكامه جاءت شاملة لكل مناحي الحياة ومصالح العِباد, سواءٌ منها ما يختصّ بالفكر والاعتقاد أو ما يختص منها بالشعائر والعبادات أو ما يختصّ منها بالإخلاق والمعاملات أو ما يختصّ منها بتنظيم العلاقات الفردية والاجتماعية والدولية وغير ذلك, فالكل يحكمه منهج الله الذي ارتضاه الله للمؤمنين, ورفض شيءٍ من شرع الله وإبداله بغيره معناه الصريح هو رفض ألوهية الله سبحانه وتعالى واعتداءٌ على سلطان الله في الأرض وادعاءٌ للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى وهي حق التشريع للخلق.

فيا إخواننا وأبناءنا الأعزاء, إنّ الإسلام ليس مجرّد دعوى تُدّعى وليس مجرّد شعائر تُؤدّى من صلاةٍ وحجٍّ وصيام, إنما هو استسلامٌ وطاعةٌ وانقيادٌ لله تعالى باتباع شرعه وتحكيم كتابه في أمور العباد كلها, وبهذا الفهم الصحيح للإسلام عاشت الأمّة الإسلامية قرونًا من الزمان ترفل بالسعادة الحقّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت