1-فمنها قولهم: إن الطبيعة البشرية تقتضي السهو والنسيان من كل إنسان وإنه يوجد كثيرًا تعمد الكذب لمصلحة يعتقدها الكاذب أو لغيرها، وكل ذلك يقتضي التوقف في خبر الواحد.
فيقال: نحن لا نقول باستحالة الخطأ على جميع النقلة، ولا بعصمتهم من تعمد الكذب، ولكن نقول بالجزم والتصديق للخبر عند ظهور أمارات تؤيد ذلك، من تتبع أخبار الراوي حتى يوقف على صحتها، ومن موافقته لمن هو مثله أو أفضل منه، وغير ذلك مما يعرف به أهل الفن صدق الرواية أو الخطأ فيها.
وليس ببدع أن يجعل الله في خلقه من يقرب القول بعصمته من تعمد الكذب، ومن السهو الكثير في التحمل والأداء لواجبات الدين، كي تقوم حجة الله على خلقه، ويحصل الأمن من التعبد لله بخطأ.
فرواة الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول، يلزم من تخطئتهم عدم قيام حجة الله على من لم يشاهد الرسول، وذلك مما ينافي حكمة الله.
2-ومنها قولهم: إننا نشاهد اختلاف المحدثين في الحديث الواحد، ما بين مصحح له ومضعف، وطاعن في رواته وذاب عنهم، ونحو ذلك مما يسبب عدم اليقين بما قالوه، والتوقف في مروياتهم مخافة الخطأ.
فقد روى البخاري ومسلم أحاديث حكما بصحتها، ثم تعقبهما بعض العلماء -كالدار قطني- وذكروا فيها مطاعن.
وكذا الترمذي كثيرًا ما يصحح أحاديث في جامعه، ولا تكون صحيحة وهكذا ما اشتهر عن الحاكم في مستدركه.
ولو كانت أمارات الصحة ظاهرة مفيدة للعمل لما وقع فيها هذا الاختلاف الكثير، فيقال: لقد اصطلح أهل الحديث على تمييز الصحيح الثابت من الحديث النبوي في رجاله ولفظه ومعناه مما يعرفونه به من غيره.
ولم يكن العلماء بهذا الفن على استواء في العلم بهذه المميزات، مما كان سببًا لمثل هذا الاختلاف ولا شك في تقدم أهل الصنعة في ذلك كالبخاري ومسلم، والإمام أحمد ويحيى بن معين ونحوهم على غيرهم.