الصفحة 58 من 102

ويتضح أنه لم يقرأ عبارات المحدثين والأئمة في تصريحهم بالعلم اليقيني، واستدلالهم عليه بما هو معلوم من الأدلة الشرعية والعقلية كما تقدم، مما لا يحتملها التأويل الذي قاله، ولا أنهم أرادوا العلم الظاهر، كما نقله ورده، ولهذا لما نقل ابن الهمام في التحرير تأويله الأول رده بتصريح ابن الصلاح بالقطع بمروي الشيخين، فأما قول الآمدي أن فيهم من قال يفيد العلم بمعنى الظن، واستدلوا بقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) أي ظنتموهن، فهذا قول لا حقيقة له، وإن وجد من يقوله، فلا فرق بينه وبين قول الأكثرين منهم، بأنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقًا، فإنهم لم ينفوا إفادته للظن.

وقد علمت أن هذا أحد التأويلين اللذين سلكهما الغزالي في صرف القول الأول عن ظاهره، ولو كان يعلمه قولًا لأحد لحكاه، ولم يجعله احتمالًا، وعلمت أيضًا أن الغزالي ذكر الآية في دليل من قال: المراد العلم الظاهر، لا العلم بمعنى الظن، ولما كان أهل الأصول قد وضعوا لهم قاعد كلية، حكموا بموجبها على كل خبر بحكم موافق لتلك القواعد التي لم يكن مستندهم فيها إلا أدلة عقلية، بزعمهم يقينية، وهي وهمية، جعلوها مطردة، فحكموا لأجلها بأن مفاد أخبار الآحاد الظن، ثم إنهم تناقضوا بعد ذلك بإيجابهم العمل بها، لما رأوا أدلة وجوب العمل متواترة، وقبول السلف لها مشهورًا، ورأوا هذا مطردًا بين المسلمين سلفًا وخلفًا، فلم يجدوا بدًا من القول بأنها توجب العمل، مما هو هدم لقواعدهم من الأساس.

مناقشة شُبه من يقول إن خبر الواحد لا يفيد العلم:

لا أعتقد وجود نص من الأدلة السمعية يصرح برد خبر الواحد الثقة، أو التوقف فيه، أو عدم حصول العلم به، ولكن أهل الظن والشك في الأخبار ولدوا شبهًا وخيالات ظنوها عقلية، قطعية الدلالة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت