الصفحة 57 من 102

هكذا يقول هذا العالم الكبير، وأنا أستبعد أحقية ذلك، وإن قدرنا صحته فلعله مختص بالبلاد التي نشأ فيها، وبأهل الزمان الذين اتصل بهم، فيمكن أن قد فقد بينهم الصدق، وخف فيهم الدين، وكثر التزوير والبهرج، حتى عد من المستحيل الوثوق بخبر الواحد، وحصول العلم به مهما بلغ من الأمانة والديانة، وتعظيم أمر الله، والخوف من مغبة الكذب، لدرجة أن من صدقه يعد أقل حالة من المعتوه وهو ناقص العقل.

فأما أن يطبق هذا على كل وقت وكل أناس، وإن اتصفوا بالعدالة وتمام الضبط ... إلخ فليس كذلك إن شاء الله.

مستند من قال إن الآحاد لا تفيد إلا الظن

ومناقشة شبههم

تتابع الأصوليون غالبًا في مؤلفاتهم على اختيار أن خبر الواحد لا يفيد العلم ولو بقرينة، وإنما يجوز العمل به وإن كان ظني الثبوت، لجواز العمل بما يفيد الظن.

وأعتقد أن عدم حصول العلم لهم من هذه الأخبار بسبب أن جل اشتغالهم بعلم الكلام ونحوه، وهم في الجملة بمعزل عن علم الحديث وطرقه ورجاله.

وقد انخدع بكثرتهم وتهافتهم على هذا القول كثير من أهل الحديث المتأخرين، كما فعل النووي في التقريب وشرح مقدمة مسلم، وكذا ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول الذي نقل عبارة الغزالي بالحرف.

ومن العجيب تأويل الغزالي لقول من ذهب إلى أنها تفيد العلم بأحد أمرين:

1-أنهم أرادوا إفادتها للعلم بوجوب العمل.

2-أن العلم بمعنى الظن.

ثم حكى أن بعضهم فسَّره بالعلم الظاهر، لقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) (الممتحنة:10) ورد هذا التفسير.

وكأنه لما استحكم في قلبه كونها ظنية اعتقد ذلك حجة مسلمة من كل ذي عقل، واستبعد أن يخالفه فيها أحد.

ولما كان هذا القول مشهورًا عن السلف أراد أن يصرفه عن ظاهره، حتى لا يبقى عالم معتبر يخالف ما قاله، فأوله إما بجعل العلم مرادًا به غير ما نحن فيه، وأنه العلم بوجوب قبول هذه الأخبار، والعمل بما تتضمنه، وإما بأن العلم مراد به الظن الذي يقول به جمهورهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت