الصفحة 56 من 102

وإذًا فخبر الثقة العدل يفيد العلم في بعض الأمور لبعض الأشخاص، وقد يقصر عن ذلك فيتقوى ببعض القرائن، وقد تحصل القرائن لبعض السامعين دون بعض، كما لو أخبر شخص زيدًا وعمرًا بأن خالدًا قد مات، وكان عمرو قد علمه مريضًا غير ميئوس منه، وزَيْدٌ قد عهده لا بأس به، فإن خبر المخبر يحصل العلم لعمرو دون زيد.

وقد يكون هناك ثالث علم شدة مرضه، ولم يسمع بموته، ولكنه رأى الجنازة أخرجت من بيته الذي لا مريض فيه سواه، ورأى أهله وولده وحاشيته قد أحدقوا بها، وقد اتصفوا بما يدل على مصابهم، من الحزن والكآبة، والبكاء والنحيب ونحو ذلك، فإنه يحصل له العلم اليقيني بأن هذا المحمول على السرير هو خالد دون غيره، وذلك معروف بالمشاهدة، فظهر بهذا تباين الناس، وتباعد ما بينهم في التأثر بالقرائن، وأن منهم من عنده من المعرفة بأحوال الرواة، وتتبع الأخبار، وقرائن الأحوال، وما يحتف بالخبر من هذه الدلائل ما لا يوجد عند الآخرين، فيحصل له العلم اليقيني بهذا الخبر، بينما الآخرون لم يحصل لهم أكثر من الظن أو التردد، ومع ذلك فقد استبعد العلم به بعض المتكلمين وأنكره بعضهم، ومن أعجب ما قرأته ما ذكره الغزالي في المستصفى في نفي حصول العلم بخبر الواحد حيث قال: ولا يُظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن، أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغًا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة، ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة، فهذا مما لا تعرف استحالته، ولا يقطع بوقوعه، فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة، ونحن لم نجربه، ولكن قد جربنا كثيرًا مما اعتقدناه جزمًا بقول الواحد، مع قرائن أحواله، ثم انكشف أنه كان تلبيسًا. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت