الصفحة 55 من 102

وقد مثلوا للقرائن المنفصلة بمن أخبر عن عطشه أو مرضه، ورُئيت عليه علامات ذلك ظاهرة، من يبس شفتيه أو تغير لونه، أو حرارة جسمه، أو نحو ذلك مما يقوي صحة خبره.

وكذا لو أخبر بما عليه فيه ضرر، ولكن حملته خشية الله والخوف من عذابه على الإقرار بما فعله لقصد التطهير؛ كمن أخبر بأنه ارتكب ذنبًا يوجب حدًا أو قودًا، وليس هناك ما يلجئه إلى الإقرار، وقد عرفت منه محبته للحياة، ورغد عيشه، وأخبر بذلك طوعًا واختيارًا.

وهكذا من أقر بدين عنده له وقع في النفس، بدون بينة من صاحب الحق، وبدون أن يطلب منه يمين، وبلا تهديد ولا تعزير.

وكما لو أقر عند المفتي بطلاق أو عقد، أو بأنه وقع منه خلل في صلاته أو صومه، أو نحو ذلك، وطلب بيان الحكم، فإن المفتي يصدق خبره في كل ذلك، إلى أمثال هذه الصور مما هو كثير.

وأنت تعرف أن هذه القرائن تقوي صدق الخبر أيَّا كان نوع المخبر، بدون أن يشترط له ما تقدم من الشروط كالضبط والعدالة ... إلخ.

وقد مثلوا ذلك بمعرفة محبة الشخص لمحبوبه، حيث تعرف من أفعاله، وإن لم يخبر عما يكنه ضميره فإن قيامه بخدمة ذلك الشخص، وطول ملازمته، وبذل ماله له، ونحوه من الأفعال التي هي من خواص المحبين، تدل يقينًا على صدق المحبة، وإن كانت كل خصلة منها لا تدل على ذلك بانفرادها، لاحتمال أن تكون لغرض خاص، فباجتماعها واستمرارها يتحقق من مجموعها صدق محبته له، وهكذا لو حصل ضدها من شخص لآخر عرف بذلك عداوته له وبغضه.

ثم إن نفس القرائن قد تكون قاصرة عن إفادة العلم، فإذا انضاف إليها خبر من شخص لا يوثق بخبره، كانت موافقته له دليل صدقه، فيحصل العلم بخبره وبالقرائن معًا، فإن حصل العلم بالقرائن كان خبره زيادة فضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت