فيقال: لما كان مدعي النبوة قد جاء بشيء غير مألوف، ونصب نفسه مشرعًا مخبرًا عن الله، يبين الحلال والحرام، وينقل الناس عن أعمال وعادات كانوا قد ألفوها، وألفوا عليها أسلافهم، إلى أحكام جديدة لم يكن لهم بها علم من قبل، ويعدهم على طاعته الثواب، ويحذرهم نقمة الله على مخالفته، كان شيئًا مستغربًا في نفوسهم، يصعب عليهم اعتناقه ومفارقة ما ألفوه، فاحتاج إلى آيات تقوي صدقه.
وأيضًا فليس كل من ادعى النبوة مأمونًا من كونه متقولًا على الله، لما في هذا المنصب من الرفعة، وحفظ النفس الذي يجلب التهمة لمن ادعاه، فلا يقبل منه إلا ببينة.
فلذلك احتاج مدعي النبوة إلى ما يقوي دعواه، ويوضح للناس صدقه، ويحملهم على تقبل ما جاء به من المعجزات وخوارق العادات.
ثم إن هذه سنة الله في خلقه، أن يؤيد رسله بالبينات والدلائل الظاهرة، وما هكذا يكون كل خبر عدل ينقل عن مثله شرعًا لم يكن هو الذي ابتدأه، وإنما أسنده إلى مصدره، وقد عرفت منه الثقة والأمانة، فلا مانع من وقوع العلم بخبره.
10-ومنها قولهم: إننا نشاهد تزايد العلم في القلب كلما تكرر من المخبرين، ولو حصل العلم لأول مرة لما وقع هذا التزايد المحسوس، لأن العلم شيء واحد، لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
فيقال: نحن لا نشك أن خبر الواحد العدل يحصل به كمال العلم، ويستيقن القلب صحته، بحيث لا يتخالجه شك كما هو مشاهد، فزيادة المخبرين قد تكون من باب تواتر الأخبار وترادفها، الذي يقوي الخبر ويؤكد ثبوته.
ثم إذا سلمنا ما تصوره من زيادة العلم بزيادة المخبرين، لم نسلم عدم التفاوت في نفس العلم، فإن العلم بالشيء على الصحيح يتفاوت في الكم والكيف والقوة، ولذلك فرق بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كما فُرق بين العلم الضروري والنظري، مما سوغ التفريق بين العلم الحاصل عن المتواتر والآحاد، وشاهد ذلك العقل والفطرة السليمة.