وهذا بخلاف أخبار الدين، فإننا لا نحكم بثبوتها لنقل اثنين أو أكثر مع تطرق الشك، أو غلبة عدم صحة الخبر، ونصدق خبر من دون نصاب الشهادة إذا ظهرت أمارات الصدق.
8-ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لجاز نسخ القرآن ومتواتر السنة به، لكونه بمنزلتهما، فلما لم يجز ذلك دل على عدم إفادته العلم.
فيقال: يندر أن يقع الاختلاف الكلي بين نص من القرآن أو السنة المتواترة مع الآحاد الصحيحة، يحتاج معه إلى القول بالنسخ، مع أن النسخ حتى بالمتواتر قد أنكره بعض من ينتسب إلى العلم ونصره بعض المتأخرين.
ثم إن احتيج إليه فلا مانع من القول بالنسخ، ورفع الحكم السابق، عند تعذر الجمع، ولو كان السابق معلومًا بالضرورة، بعد تحقق ثبوت الخبر وتأخره.
وقد وقع ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعمل أهل قباء بخبر الواحد الذي نقل لهم نسخ القبلة الأولى، وهكذا أبو طلحة الأنصاري أتلف جرار الخمر، وأمر بإراقتها اعتمادًا على خبر الذي نقل لهم تحريمها كما سيأتي تخريج هذين الحديثين إن شاء الله.
ثم إن قيل بالمنع فإنما ذلك لعدم المساواة في العلم، وسيأتي قريبًا إن شاء الله أن العلم يتفاوت في الكم والكيف، ولأن السنة متأخرة الرتبة عن القرآن، لكونها بيانًا له، ولحديث معاذ الذي سيأتي إن شاء الله، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف تقضي؟) قال: بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد؟) قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
9-ومنها قولهم: لو حصل العلم بخبر الواحد مجردًا لم يحتج من ادعى النبوة إلى تأييد خبره بالمعجزات التي يعلم بها صحة ما ادَّعاه، فإن العلم يحصل بمجرد خبره، فلا يحتاج إلى زيادة مقويات، لأنه تحصيل للحاصل.