الصفحة 74 من 102

2 -أنهم لم يتدخلوا بعقولهم في أحكام الشريعة، بل إن الدليل السمعي -ولو آحادًا- هو المقدم عندهم على ما يتوهمه العقل، وما ذاك إلا لسلامة فطرهم عن الزيغ والشبه، وفي ذلك دليل على أن السمع الصحيح لا يخالف العقل الصريح أبدًا أما أهل الكلام فقد ابتدعوا أدلة عقلية، وردوا لأجلها الأدلة السمعية، وعند التحقيق يعلم أن أدلتهم خيالات لا تثبت على حال، فأحدهم يجزم بأن العقل يوجب هذا، بينما الآخر يجزم بأنه يحرمه.

ومثال ذلك: ما قالوه في هذا الباب فإن فيه لهم ثلاثة أقوال:

القول الأول: منع التعبد بخبر الواحد عقلًا:

وهذا قول بعض المعتزلة، كالجبائي وابن علية والأصم، وجماعة من أهل الكلام. ولهم على ذلك شبه:

1 -منها: أن التعبد به يؤدي إلى تحليل الحرام، وتحريم الحلال، لإمكان كونه كذبًا في الباطن، ففي العمل به مفسدة تخالف مقتضى القواعد الشرعية فلا بد أن يقيم الله على كل حكم برهانًا قطعيًا (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) (الأنفال:42) أما أن يحيلهم على دليل ظني يجوز العقل خطأه فلا، لما يترتب عليه من قلب الحقائق، واستباحة المحظورات، مما هو خلاف حكمة الشارع.

وهذا الدليل ليس عقليًا محضًا، بل مما أخذه العقل من الشرع. فيقال:

(أ) يبطل اللزوم على مذهب المعتزلة في أن كل مجتهد مصيب؛ حيث أنه لا حلال ولا حرام في نفس الأمر، وإنما ذلك يظهر بعد الاجتهاد، فعليه لا يلزم محذور إذا اعتمد المجتهد على خبر يمكن أن يكون كذبًا في نفس الأمر.

فإن العمدة اجتهاده، وقد أصاب كما يصيب من خالفه باجتهاد آخر وهلم جرا.

أما على مذهب الجمهور في أن المصيب واحد -فإنما يلزم تحريم الحلال وعكسه أن لو قيل بالقطع بموجبه، أما أن يقال بالظن- الذي هو ما يقدره المجتهد- مع تجويز خلافه.

فإنه لا يلزم منه مخالفة حكم الله.

(ب) أن إمكان كذبه يضعف بتوفر شروط قبوله المعروفة، فيكون العمل به مستندًا إلى يقين أو ظن غالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت