الصفحة 77 من 102

2-أنه من المعلوم عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وليس في إمكانه مشافهة الجميع، ولا أن يبعث إلى كل جهة عددًا يبلغون حد التواتر، فلم يبق إلا الاكتفاء بالآحاد، فلو لم يجب على الأمة العلم بأخبارهم لم يحصل التبليغ، ولم يكن لبعثهم فائدة.

3-أن ظن صدق الراوي يرجح وجود الحكم الذي يترتب على تركه العقاب، والعاقل يحتاط بامتثال هذا الأمر، ليسلم من هذا العقاب ولو مظنونًا.

وأيضًا لما كان العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معلومًا من الدين بالضرورة في الجملة، وكانت هذه الأخبار قد جاءت تفصيلًا لتلك الجملة، لما في فعله مصلحة، وفي تركه مضرة، كانت مما تثير الخوف في القلب، فوجب العمل بمفادها عند ترجح صدقها، تحصنًا وتحرزًا، من المخاوف، هذا ملخص حججهم، وهي كما ترى في وجاهتها.

وقد تكلف الآمدي وغيره ردها بأجوبة جدلية، نشير إلى مخلصها مع مناقشتها:

قالوا: أما الحجة الأولى فإنه لا يلزم من ترك خبر الواحد تعطل الوقائع عن الأحكام، فإن المفتي إذا لم يجد دليلًا انتقل إلى حكم شرعي، وهو البراءة الأصلية كما لو لم يجد خبر الواحد.

فيقال: نحن لا نشك في أن النصوص الشرعية قد بينت تفاصيل الأحكام، وتعرضت لكل واقعة يمكن أن تقع، وهو مقتضى كمال الدين، وإذا لم يوجد في الواقعة الجزئية نص خاص، وجدت قواعد كلية تعم أفرادًا كثيرة من جزئيات المسائل.

ففي رد أخبار الآحاد إبطال لكليات وقواعد شرعية من جوامع الكلم الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيلزم من ردها تعطيل وقائع كثيرة، يكون بيانها من موجب الرسالة، على أن البراءة الأصلية إذا كانت قبل ورود التكاليف، أما بعده فقد أصبحت الذمة مشغولة بالأحكام، فتكون البراءة أيضًا مظنونة بالنسبة إلى هذا الحكم، وتتقابل مظنونة بمظنونة، فيعمل بالأرجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت