الصفحة 78 من 102

قالوا: وأما الحجة الثانية: فإن التبليغ إنما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه بالمشافهة أو بخبر التواتر، فمن بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قامت عليه الحجة، وإلا فهو معذور، كالبعيد الذي لم يتمكن من تبليغه ولو بالآحاد.

فيقال: هذا ليس بوجيه، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالدعوة والإنذار بما في استطاعته، كما حصل من اقتصاره على بث الدعاة في أقطار البلاد، واكتفائه بذلك، مما يدل على أنه مما قامت به الحجة وإن كان مظنونًا ظنًا غالبًا.

أما من لم يقدر على تبليغه كمن في الجزائر النائية فهذا يعذر حتى تبلغه الدعوة، وقد زال العذر بدعوة الصحابة ومن بعدهم، وتبليغهم جميع الشريعة إلى القاصي والداني.

قالوا: وأما الحجة الثالثة: فإن ظن صدق الراوي إنما يرجح كون العمل بخبره أولى، من غير إيجاب، كما في خبر الكافر والفاسق عند ترجح صدقه، من عدم وجوب العمل به إجماعًا.

قالوا: وهذا استعمال لقياس ظني في أصل من الأصول التي لابد أن تكون أدلتها يقينية قطعية.

فيقال: إذا عرف العاقل أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم تسبب الضرر عليه، وأن امتثال أمره مما يحصل له المصلحة، وجاءه أمر تترجح صحته، فعدم امتثاله والحالة هذه مما يلحقه به اللوم، وبتكرر ذلك لابد أن يحصل عليه ضرر، فالعقل السليم يوجب الحذر من أسباب الضرر.

ومثال ذلك: ما إذا علم العاقل تحريم قتل نفسه، وظن ظنًا غالبًا أن هذه الطعام مسموم، حرم عليه أكله، أو ظن أن هذا الجدار يريد أن ينقض لم يجز له الجلوس تحته.

وكثيرًا ما يجعل الفقهاء الاحتياط مناطًا للوجوب.

أما قياسه على خبر الكافر والفاسق فغير مسلم، لأنه لا يوثق بخبرهما بمجرده، فإن اقترن به قرائن تغلب صدقه وجب العمل به اعتمادًا على القرائن.

أما قولهم إن أدلة الأصول لا تكون ظنية، فغير مسلم، وقد نقضوه بأنفسهم، فكثيرًا ما يثبتون قواعد وأحكامًا وأصولًا بأدلة ظنية أو خيالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت