الصفحة 79 من 102

القول الثالث: أن خبر الواحد يجوز العمل به عقلًا من غير وجوب:

وهذا قول أكثر المتكلمين.

قالوا: لأنه لم يلزم عنه لذاته محذور في العقل، واحتمال كونه كذبًا أو خطأ غير مانع من التعبد به.

وقاسوه على ما وقع الاتفاق عليه من العمل بقول الشاهد والمفتي، مع كونه مظنونأً ومثلوا ذلك بما لو قال الشارع إذا طار طائر وظننتموه غرابًا فقد أوجبت عليكم كذا، فإنه لا يلزم منه محال، حيث إن الظن شيء محسوس، يجده الإنسان من نفسه، فبمجرد وجوده يترتب الحكم.

الخلاف في دلالة السمع على

وجوب العمل بخبر الواحد

فقد حققنا فيما سبق أن خبر العدل يفيد العلم اليقيني، وعليه فإن من خالفه عنادًا يكفر بعد إقامة الحجة عليه.

ولكن المتكلمين في هذا الموضوع كغيره اعتمدوا كونه ظني الثبوت، واختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: أنه لا يجب العمل به سمعًا:

وهو قول الجبائي ومن تبعه من المعتزلة في نفي جوازه عقلًا، وقاله أيضًا بعض من جوَّزه عقلًا كالقاساني من الظاهرية، وابن داود، وجمهور القدرية والرافضة.

وقد استدلوا بأدلة:

أولًا: من القرآن: كقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (الإسراء:36) ، وقوله حكاية عن أولاد يعقوب: (وما شهدنا إلا بما علمنا) (يوسف:81) ، وقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (الأعراف:33) ، وقوله حكاية عن الذين كفروا: (إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين) (الجاثية:32) ، وقوله: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) (الأنعام:148) ، ونحوها من الآيات.

فيقال: سبق أن استدل بهذه الآيات على إفادة الآحاد العلم اليقيني، وأن جعلها ظنية، مما تسلط به المعتزلة على ردها مطلقًا في الأصول والفروع، استدلالًا بهذه الآيات التي فيها النهي عن القول على الله بلا علم، وذم اتباع الظن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت