14-وروى البخاري وغيره عن سلمه بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم: (أذن في قومك يوم عاشوراء أنه من أكل فليتم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم) ، وبعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر سنة تسع على الحج، فأقام للناس مناسكهم نيابة عنه صلى الله عليه وسلم، وبعث عليًا تلك السنة فنبذ إلى قوم عهودهم، وبلغ عنه أول سورة براءة، وبعث قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، ومالك بن نويرة، إلى عشائرهم، لتعليمهم الأحكام، وقبض الزكاة، وبعث معاذًا وأبا موسى، وعمارًا وغيرهم إلى جهات متفرقة باليمن، ونحو ذلك كثير، واشتهر أيضًا بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم في ما يخبرون عنه.
ومن أشهر ذلك كتبه التي يبعثها إلى الملوك في زمانه، التي يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالبًا، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، وعبدالله بن حذافة إلى كسرى.
وذكر الشافعي أنه بعث في دهر واحد اثني عشر رسولًا، إلى اثني عشر ملكًا يدعوهم إلى الإسلام، وهكذا كتبه التي يبعثها إلى ولايته وعماله بأوامره وتعليماته، يكتبها واحد، ويحملها واحد، ولم يتوقف أحد منهم في قبولها، واستمر على هذا عمل المسلمين بعده إلى اليوم، من غير نكير فكان إجماعًا.
شبه للخصوم حول هذا الدليل:
1-قالوا: إن هذه الأحاديث لا تخرج عن كونها آحادًا، فلا يستدل بها على قبول الآحاد، لما يلزم منه من الدور.
فيقال: إن بعض هذه الأخبار قد روي من طرق كثيرة، بلغ حد الاستفاضة، ولو استقصينا طرقها وشواهدها لطال الكلام.
ثم إنها وإن كانت آحادًا فهي لكثرتها وتعدد جهاتها ملحقة بالمتواتر المعنوي، الذي يفيد القطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بالآحاد، ويبني على خبرهم.
2-قالوا: إن القصد من بعث أولئك الرسل ونحوهم التعليم والفتوى، والقضاء، وقبض الزكاة، أما أدلة الأحكام فلم يؤمروا بتبليغها، فلا تدل على المراد.