وقد رد بعض الحنفية خبر الواحد فيما يتعلق بالحدود، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ولأن خبر الواحد مظنون، فلا يقدم به على القطع والرجم والجلد ونحوها.
والصحيح قبوله فيها، كما أنها تثبت بالشهادة التي هي ظنية، وخبر الواحد، وإن كان ظنيًا فقد أثبتت به سائر الأحكام.
فأما الحديث المذكور فهو ضعيف، رواه ابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة، وفي سنده إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف، وفي الباب عن عائشة، وعلي، وابن عباس، وكلها ضعيفة لا تخلو أسانيدها من مقال كما في نيل الأوطار وغيره.
وقد يكون معناه الأمر بالتثبت في البينة والإقرار ونحوها مخافة الخطأ، بخلاف ما إذا ورد حديث صحيح يتعلق بأحكام العقوبات ونحوها، فليس هناك شبهة تدل على رده.
5-خبر الواحد إذا خالفه الراوي:
اشتهر عن بعض الحنفية تقديم رأي الصحابي على روايته، ومثلوه بما رواه أبو هريرة مرفوعًا من الأمر بغسل الإناء بعد ولوغ الكلب سبعًا، كما في الصحيحين. فقد روى الدار قطني عن أبي هريرة أنه اكتفى بغسله بثلاث.
قالوا: لأن الصحابي أعلم بما روى، فلولا معرفته بأن الخبر ليس على ظاهره لما خالفه، فلابد أنه اطلع على ما ينسخه أو يخصصه أو نحو ذلك؛ فإن مخالفته بدون مبرر تعتبر قدحًا في عدالته.
والصحيح العمل بالرواية التي صرَّح برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كسائر رواياته، فإن الحديث إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحتم على الأمة العمل به، لا يترك الخلاف أحد كائنًا من كان.
فأما مخالفة راويه له فإنه من الممكن أن ينساه، أو لا يستحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته، أو يتأوله خطأ، أو يقوم عنده ما يعارضه ويكون في الحقيقة غير صالح للمعارضة، أو يقلد غيره ممن يعتقده أفقه منه، ثم لو قدر انتفاء هذه الاحتمالات ونحوها فهو غير معصوم، ومخالفته لهذا الحديث الواحد لا تسقط عدالته، فيجب العمل بالحديث المرفوع وطرح ما سواه.