فهرس الكتاب
واعلم ان اختلاف المذاهب في هذه الملّة رحمة كثيرة وله سِرٌّ لطيف مستنبط من حديث ورد فيه [1] . وكان اختلاف الأمم السّالفة عذابا وهلاكًا فعرف أنه في هذه الملّة خصيصة فاضلة لها. ذكره بعض المنصفين ممن كَتَبَ المناقب.
وروي أن أبا الحسن الأشعري [2] كان قد أخذ عن الجُبّائي [3] وتبعه في الاعتزال وأقام سنين إلى أن شرح الله صدره بإتباع الحقّ ثم رجع وصنّف كتبًا على مذهب أهل السُّنة ودفعها إلى الناس [4] ، وكان صاحب نظر وإقدام، وكان الجُبَّائي صاحب قلم وتصنيف، إلا أنه لم يكن قويًا في المناظرة.
قال أبو سهل الصعلوكي [5] : حضرنا مع أبي الحسن مجلس علويّ بالبصرة فناظر المعتزلة وكانوا كثيرًا فأتى على الكل فهزمهم، كلما انقطع واحد تقارب الآخر حتى انقطعوا عن آخرهم فعدنا في المجلس الثاني فما عاد منهم أحد، فقال بين يدي العلوي: ياغلام أكتب على الباب فَرّوا.
وقال الإمام أبو بكر الصيَّرفي [6] : كانت المعتزلة قد رفعوا رؤسهم حتى أظهر الله الأشعري، فحجرهم عن اجتماع اللمم.
(1) وذلك إشارة منه إلى حديث"اختلاف أُمَّتي رحمة"وقد أورده الغزالي في"إحياء علوم الدين" (1/ 27) وقال العراقي في"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار"بهامشه:"ذكره البيهقي في"رسالته الأشعرية"تعليقًا، وأسنده في"المدخل"من حديث ابن عباس بلفظ:"اختلاف أصحابي لكم رحمة"وإسناده ضعيف."
(2) واسمه (علي بن إسماعيل) وقد تقدمت ترجمته في القسم الأول من الكتاب برقم 2987.
(3) واسمه (محمد بن عبد الوهاب) انظر ترجمته في"شذرات الذهب" (4/ 18) .
(4) وأهمها كتابه"الإبانة عن أصول الدِّيانة"وهو آخر كتاب صنَّفه وعليه يعتمد أصحابه في الذَّبِّ عنه عند من يطعن عليه. وقد نقل ابن العماد الحنبلي جملة من الأمور المتصلة بأدق ما يتصل باعتقاده في"شذرات الذهب" (4/ 130 - 133) فلتنظر.
(5) واسمه (محمد بن سلمان) وقد تقدمت ترجمته في القسم الأول برقم 4132.
(6) واسمه (محمد بن عبد الله) وقد تقدمت ترجمته في القسم الأول برقم 4170.
(7) واسمه (إبراهيم بن محمد بن إبراهيم) وانظر ترجمته في"شذرات الذهب" (5/ 90 - 91) .
(8) واسمه (محمد بن محمد بن عبد الله النَّفَّاح) انظر ترجمته في"شذرات الذهب" (4/ 70 - 71) .
(9) واسمه (محمد بن الطّيّب بن محمد) انظر ترجمته في"شذرات الذهب" (5/ 20 - 22) ، وفي القسم الأول برقم 4161.