يتبين بترك المجاهدة في سبيل الله سبحانه مع رسوله قال الله تعالى: {وجاء المعذورن من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} فسمّاهم كفرة.
وكان الفرق بينهم أنّ منافق دار الحرب تجري عليه أحكام المحاربين من القتل والأسر والاسترقاق، ومنافق دار الإسلام يعصم دمه وماله وولده بالإسلام الظاهر وتجري عليه أحكام المسلمين.
وأما إذا لم يهاجر من مكة إلى المدينة ولم يخبر الله سبحانه وتعالى بردّته وكفره فإنه باق على إيمانه ولهذا كان العباس رضي الله عنه أقام بمكة بعد إسلامه قبل الفتح ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم إن إسلامه لا يتم مع الإقامة بدار الحرب والكفر.
وأما قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة} الآية فإنها نزلت في قوم تكلموا بالإسلام ثم جرجوا مع المشركين إلى بدر مكثّرين لسوادهم فقتلوا يوم بدر وأخبر الله سبحانه بظلمهم لأنفسهم، والظلم هنا قد يكون ظلم كفر أو ظلم معصية، لأن الكفر إذا ورد مجردا عن القرائن فإنما يقع على الكفر الأكبر، ثم إنه قد يقع على كفر النعمة ويفتقر إلى قرينة كقوله تعالى: {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} .
وأما الظلم فلفظ مشترك فإذا ورد مجردا عن القرائن لم يكن نصا في الظلم الأكبر، وإنما يتخلص بالقرائن قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} وقال تعالى مخبرا عن نبيه يونس عليه السلام: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ومعاذ الله من الكفر والشرك الذي لا فلاح معه ولم يخالف أحد من المسلمين أنهم معصومون من الكفر.
المسألة الثالثة: اختلف أهل العلم في حكم الهجرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن ما عدا مكة شرّفها وصانها من كيد الأعداء وطهّرها من رجس الطواغيت على ثلاثة أقوال: