فهرس الكتاب
انطباق الشفتين.
ثانيًا: يجوز القياس على أصل ثابت بالإجماع قياسًا على النصّ وهو مذهب الجمهور. ولذلك قال ابن الجزريّ عليه رحمة الله تعالى: أمّا إذا كان - أي القياس - على إجماع انعقد أو عن أصل يُعتمد فيصير إليه عند عدم النصّ وغموض وجه الأداء فإنّه مما يسوّغ قبوله ولا يجوز ردّه لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمسّ الحاجة مما يقوي وجه الترجيح ويعيّن على قوّة التصحيح".أقول: وهذا الذي فعله رحمه الله تعالى في تقديم وجه إخفاء الميم الساكنة على وجه الإظهار قياسًا بإجماع أهل الأداء على إخفاء الميم بعد الإقلاب نحو {من بعد} ."
ثالثًا: لا يجوز القياس على أصل ثابت بالقياس. وهذا الذي قام به بعض أهل الأداء المعاصرين حيث أثبتوا وجه الترقيق في الراء الواقعة قبل ياء محذوفة في نحو: {ولم أدر} و {فلا تمار} ، و {وله الجوار} قياسًا على {ونذر} ، وكلمة {ونذر} قيست بدورها على الكلمات الثلاث وهي: {أن أسر} ، {فأسر} ، {إذا يسر} المذكورة في كتاب النشر لابن الجزريّ عليه رحمة الله.
رابعًا: يشترط في الفرع أن يكون خاليًا عن نص أو إجماع ينافي حكم القياس فإن وُجد نصّ أو إجماع ينافي الحكم الذي وجد عن طريق القياس، فلا يصحّ القياس لأنّه لا قياس مع نصّ أو إجماع. وهذا كثير ما يقع فيه بعض أهل الأداء المعاصرين وهو التسرّع في الاجتهاد والقياس بدون استقراء جميع النصوص،
مع عدم وجود ضرورة وحاجّة ماسّة إلى الأخذ بالقياس كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى.
خامسًا: القياس يفيد الظنّ وليس القطع، لأنّه ناتج عن اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، وإنّ الحكم الثابت بالقياس هو حكم شرعيّ دينيّ لأنّه مأمورُ به في قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} ، وهو طريق لمعرفة الأحكام الشرعية وطريق حلّ قيود الكثير من المسائل التي قد لا يجد لها أهل الأداء حلولًا إلاّ بالقياس، وبالتالي يكون مصدرًا شرعيًا معتبرًا يجب العمل به لا سيما فيما تلقاّه أهل الأداء بالقبول. فلا يُعقل إعمال القياس الذي يفيد الظن مقابل إهمال النصوص أو الإجماع الذي يفيد القطع واليقين.
موقف أهل الأداء اتجاه القياس:
قال ابن الجزري رحمه الله:"وبقي قسم مردود أيضًا وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة فهذا ردّه أحقّ ومنعه أشدّ ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، وقد ذُكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي المقرئ النحوي وكان بعد الثلثمائة قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه البيان وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أنّ كلّ من صحّ عنده وجه في العربية بحرف من القرءان يوافق المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها فابتدع بدعة ضلّ بها عن قصد السبيل قلت - أي ابن الجزري- وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقرّاء وأجمعوا على منعه وأوقف للضرب فتاب ورجع وكُتب عليه محضر كما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأشرنا إليه في الطبقات ومن ثمّ امتنعت القراءة بالقياس المطلق وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه كما روينا عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما من الصحابة وعن ابن المنكدر وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي من التابعين أنّهم قالوا"القراءة سنّة يأخذها الآخر عن الأوّل فاقرؤا كما عُلمتموه ولذلك كان كثير من أئمّة القراءة كنافع وأبي عمرو يقول لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلاّ بما قرأت لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا، أمّا إذا كان على إجماع انعقد أو عن أصل يُعتمد فيصير إليه عند عدم النصّ وغموض وجه الأداء فإنّه مما يسوّغ قبوله ولا يجوز ردّه لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمسّ الحاجة مما يقوي وجه الترجيح ويعيّن على قوّة التصحيح بل قد لا يسمّى ما كان كذلك قياسًا على الوجه الاصطلاحي إذ هو نسبةُ جزئيٍ إلى كلّيٍ كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القرّاء ونقل {كتابيه اني} وإدغام {ماليه هلك} قياسًا عليه وكذلك قياس (قال رجلان، وقال رجل) على (قال رب) في الإدغام كما ذكره الداني وغيره ونحو ذلك مما لا يخالف نصًا ولا يردّ إجماعًا ولا أصلًا مع أنّه قليلٌ جدًا كما ستراه مبيّنًا بعدُ إن شاء الله تعالى وإلى ذلك أشار
(يُتْبَعُ)