فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 30979 من 53113

إنها رسالة تراعي سر الخلق في كيان الإنسان، لأنها تنزيل من العليم الخبير أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ { [سورة الملك آية 14] فالإنسان مكوّن من جسد ونفسٍ وعقل وقلب وروح، هذه هي كينونة الإنسان، وكل جزءٍ من هذه الكينونة له متطلباته وحاجاته، له غذاؤه الذي يليق به، فجاءت رسالة الإسلام خاتمة الرسائل متوائمة مع متطلبات هذه الكينونة، تقيم التوازن في تلبية حاجاتها، وإن أي خلل في تلبية أجزاء هذه الكينونة يؤدي إلى شقاء الإنسان، فللروح غذاء العبادة والتبتل، وللجسد غذاء الطعام والشراب، وللنفس الطيبات من الرزق، وللعقل العلم والمعرفة، وللقلب التفكر والتدبر، وإذا ما طغى جانب من هذه الجوانب على غيره فإنه يؤدي إلى اختلال في توازن الإنسان، وانفراط في نظامه فيشقى الإنسان وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى

[سورة طه آية 124] .

فجاءت رسالة محمد r رسالة الرحمة لتحفظ نظام الكيان الإنساني من الانفراط، وعقد الكينونة من الاختلال، فأعطت كل ذي حق حقه""فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ..."" ( [9] ) ورفضت نظام الترهبن والانسحاب من الحياة""أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له وإني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"" ( [10] ) .

فكانت تشريعًا معجزًا بديعًا، تستطيع أن تقول وأنت واثق من نفسك: إن نظام الرسالة المحمدية الكوني ينسجم تمامًا مع الكون، وتتطابق بشكلٍ رائع آيات القرآن مع آيات الكون، كذلك إن نظام الرسالة التشريعي يتطابق بشكلٍ عجيب مع نظام الكينونة الإنسانية فردًا ومجتمعًا أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ { [سورة الملك آية 14] .

هذه رسالة الإسلام، رسالة الإنسان، رسالة الرحمة الإلهية، وفي كثير من الأحيان يجهل الإنسان بدوافع من رغباته وأهوائه كم هو محظوظ، لأنه يتقلب في ربيع النعمة الإلهية، والبركة المحمدية فيعرض الإنسان فردًا أو جماعة عن الاحتماء بمظلة الإسلام، ويهيم ملاحقًا شهواته في فيافي الأوهام، ومفاوز الآثام ولا يكتشف ضلاله وضياعه إلا بعد فوات الأوان، وكان يكفي الإنسان لكي يقي نفسه هذا الضلال والتيه أن يثق بربه عز وجل، ويقبل رسالته الهادية، ويقبل رسوله المبلّغ المبشّر، ويعتصم بحبله المتين،ونوره المبين، فيوفر على نفسه ألوانًا من الضنك وأشكالًا من الخيبة في مسيرة الحياة.

وهذا ما عمل وجاهد من أجله الأنبياء جميعًا عبر الأحقاب الزمنية المتوالية، ثم جاء خاتمهم المصطفى r ليكمل البناء وينير الطريق وينشر العدل ويتمم الهداية.

فكان r المثل الأعلى للبشرية في الأخلاق والأعمال، وكان الأسوة الحسنة لمن أراد أن يرقى في مدارج الكمال، وكان النموذج المتألق في التأنق والتحضر والجمال، وكان العلم الباسق في الرزانة والرصانة والثقة والاتزان والاعتدال r.

ولم يكن منفصلًا عن الناس يعيش في برجه العاجي، بل كان يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون وينام كما ينامون.

""ينام على الحصير فيؤثر في جنبه حتى يبكي سيدنا عمر تأثرًا على حال رسول الله صلى الله عليه وسلم"" ( [11] )

""وتمر الليالي والشهور ولا يوقد في بيته نار"" ( [12] ) أي لا يوجد ما يطبخونه.

""ويشد الحجر على بطنه من الجوع"" ( [13] )

""ويمر على نسائه فلا يجد طعامًا فيقول إني صائم"" ( [14] ) .

""ويطوي الأيام ثم إذا وجد الخل أكل منه فحمد الله ثم قال نعم الإدام الخل"". ( [15] )

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت