فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 32614 من 53113

إدعاء, لأنه يجهل أو يتجاهل كما هائلا من الدراسات العلمية الجادة حول التصوف الإسلامي, حفلت بها المكتبات العامة و المكتبات الجامعية في العديد من البلدان العربية بما فيها تونس.

و لكن هذا الإدعاء يهون أمام إدعاء آخر أعظم, يزعم فيه الفجّاري, و أرجو أن يكون ذلك منه سوء تعبير, أن القرآن الكريم نص إفتراضيّ أي موضوع للشك مثله مثل الشعر الجاهلي و خطب الكهان, و ذلك في قوله حرفيًا:"إن منطلقنا في الكتابين الأولين نصوص إفتراضية لأنها دونت لاحقا و خضعت للإكراهات نفسها التي خضعت لها خطاباتنا الشفوية القديمة مثل الشعر الجاهلي و الخطابة و القرآن" (ص1) .

فإذا تجاوزنا على مخض هذا الإدعاء الخطير بكل ما يترتب عنه من نتائج دينية و معرفية, لا نريد التوقف عندها لأن القرآن الكريم منزه عن كل ريب, فإن ما سماه الفجّاري تحقيقا لا يخضع لأبسط قواعد التحقيق, و هي:

1 -أن لا يكون النص محققًامن قبل, و قد راينا عكس ذلك أن المؤلف إنما أعاد نشر نصوص محققة و منشورة, و غاية ما فعله أنه, و دون العودة إلى المخطوط الأصلي, إكتفى بالترجيح التخميني لأحد التحقيقين السابقين إذا إختلف في بعض العبارات, و حتى في هذا فقد وقع في خطاء الفهم أحيانًا مثل ما ورد في تفسير الحلاج لقوله تعالى (في سورة الحاقة) :"فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون"قال الحلاج-حسب تحقيق سيد عمران-:"... وما أظهر الله من صفات و أراهم من صنعه و أبدى لهم من عمله في جنب ما إختزن عنهم إلا كذرة في جميع الدنيا و الآخرة و لو أظهر الله من حقائق ما إختزن لذابت الخلائق عن آخرهم فضلا عن جملها", و لكن الفجّاري خطّأ المحقق في عبارة جَملها, و عوضها بعبارة"حَملها", و هي عبارة لا معنى لها في هذا السياق, و الصواب ما أورده المحقق أي جَملها (بالجيم لا بالحاء) بمعنى فضلًا عن جمعها و إجمالها: ما ظهر منها و ما خفي.

2 -التعريف بالمخطوط المحقق و مختلف نسخه و تاريخ نسخه و مكانه و خطه و التعريف كذلك بصاحبه و بناسخه, و هو ما غاب تمامًا في هذا التحقيق المزعوم سواء في تفاسير الحلاج و الجنيد أم في كتاب الحرالّية"مفتاح الباب"الذي لم نعرف من الفجّاري من يكون هذا الشخص, من أي بلد من بلدان الأندلس هو, على من درس من المشايخ و ما هي مكانته في عالم التصوف و إن كانت له مؤلفات أخرى و اكتفى بالتعريف العام"هو علم من أعلام الصوفية بالأندلس."و قد لاحظ أن الهمزة في هذا النص كثيرًا ما ترد مخففة أو مليّنة, و نسب ذلك دون حجة إلى الناسخ, مع العلم أن الميل إلى اللهجات الدارجة كان من الميزات التي وسمت الكتابة الأدبية و غيرها في الأندلس خلال هذه المرحلة المتأخرة أي بداية من القرن السابع الهجري.

و الغريب أن المحقق, و هو يحاول وصف المخطوط, لا يذكر نوعية الخط, و يبدو أنه لا يميز بين نظم الخط العربي المختلفة, و اكتفى بتأكيد غريب و عام جدًا يكاد لا يعني شيئا و هو أنه يوجد"شبه جزئي بين هذا الخط و بين بعض القرائن الأسلوبية في مقدمة إبن خلدون مثلا" (هامش ص8) و للقارئ أن يتساءل كيف تجوز المقارنة بين خطّ ما و هو شكل في رسم الحروف و بين الخصائص الأسلوبية في مقدمة إبن خلدون و هي سمات فنية تهم المعنى و البلاغة؟! مع ضرورة التنبيه إلى كثرة الأخطاء اللغوية و أخطاء الطباعة.

3 -الكسل الذهني و سوء الفهم: يوفر لنا عمل الفجّاري مثالًا صريحًا للكسل الذهني الذي يعتري بعض مثقفينا و كتّابنا, عندما يحاولون الحصول على"أمجاد"رخيصة, لا يقدمون لنيلها إلاّ مجهودًا أدنى لا يكاد يذكر. إن تقديم الفجّاري للنصوص التي أعاد نشرها لا تتجاوز ثلاث و عشرين صفحة, على الإجمال, و لكن إذا حذفنا منها الشواهد المطولة و التي تستغرق ثلثي الصفحة أحيانًا, لا يبقى منها إلا بضع صفحات أغلب ما تضمنته هو سلخ لجمل النصوص المقدمة و إعادة صياغتها بتحريرات خفيفة. وعندما غامر"المؤلف"في حالات قليلة بتقديم إجتهاد شخصي في فهم بعض الفقرات و التعابير وقع في أخطاء عجيبة و لعل أغربها, إلى حد الدفع إلى الضحك, فهمه لحديث الحرالّي عن"أسنان الجسم و القلب"و هويقصد بعبارة أسنان جمع"سنّ"أي العمر, فقال"إن أسنان الجسم أرابيع و أسنان القلب أسابيع"بمعنى أن عمر البدن ينقسم إلى أربع مراحل هي: الطفولة و الشباب و الكهولة و الشيخوخة, و قياسا على ذلك جعل للقلب سبع مراحل من العمر, و لكن الفجّاري فهم الأسنان بإعتبارها أسنان الفم فقال:"و لما كان عمر الإنسان مرتبطا بعدد الأسنان فقد جعل للقلب أيضًا أسنانًا على المجاز" (ص13) . و الغريب كيف يمكن لشخص بمثل هذه المحدودية في الفهم, أن يزعم لنفسه إنجاز مشروع علميّ يقوم على دراسة التفسير الصوفي القائم أصلًا على الرمزية و الإشارة و التأويل؟!

4 -الأمانة العلمية: تعتبر الأمانة العلمية أول شروط البحث الأكاديمي و لم يخالفها الفجّاري فقط من خلال نسبته أعمال غيره و ادعاء السبق فيما لا سبق له فيه, و إنما تعدى ذلك الى إنتحال صفة.

اقد إستفزتني كل تلك التجاوزات في كتاب الفجّاري فاتصلت بصديق لي مدرس في جامعة 7 نوفمبر بقرطاج بتونس أستوضحه الأمر عن المؤلف, فعلمت منه ما زادني اسفاّ, علمت أن الفجّاري الذي ألحق إسمه في غلاف الكتاب بصفة"أستاذ تعليم عالي"هو في الحقيقة أستاذ مساعد. و هو يشتغل حاليًا في جامعة طيبة بالمدينة المنورة برتبة أستاذ مساعد متعاقد و لم يرتق أبدًا لا إلى رتبة محاضر (مشارك) و لا رتبة أستاذ, بعد أن خاب في إجتياز إختبار التأهيل الجامعي, و قد بررت اللجنة العلمية قرارها بضعف ملفه العلمي. و هو ما يؤكده كتابه هذا الذي بين أيدينا.

و لكن لا يسعنا, و نحن نختم هذه الملاحظات, إلا أن نتوجه باللوم إلى الناشر و هو دار"عالم الكتب الحديث"بالأردن, لأنه لم يتثبت في مصداقية ما ينشر حتى و إن حاول تبرئة نفسه مسبقا بالقول في الغلاف الداخلي:"يتحمل المؤلف كامل المسؤولية القانونية عن محتوى مصنفه", و لكن من يتحمل المسؤولية الأخلاقية؟!

عماد علي حسين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت