وقال الحاشدي محقق كتابِ"الأسماءِ والصفاتِ" (1/146) بعد نقلهِ لكلامِ الذهبي الآنفِ:"وأفلح بنُ كثيرٍ هو الصنعاني السراج ، ذكره ابنُ أبي حاتمٍ في الجرحِ والتعديلِ ، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ، فهو مستورُ الحالِ . وابن جريج مدلسٌ ، ولم يصرح بالتحديثِ . والخلاصةُ أن إسنادَ الحديثِ ضعيفٌ جدًا فيه أربعُ عللٍ:"
الأولى: إسماعيلُ بنُ أبي أويس إلى الضعفِ ما هو .
الثانية: أحمدُ بنُ محمد بنِ داود الصنعاني .
الثالثة: جهالةُ حالِ أفلح بنِ كثيرٍ .
الرابعةُ: عنعنةُ ابن جريج ، وتصحيحُ الحاكمِ له من تساهلاتهِ الكثيرةِ المعروفةِ وقد تعقبهُ الذهبي كما رأيت، وذكرهُ صاحبُ كنزِ العمالِ عن أبيٍّ بنحوهِ وعزاهُ للديلمي . والله أعلمُ .ا.هـ.
والحديثُ جاء عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما عند البيهقي في"الأسماء والصفات" (90) ، قال الحاشدي: إسنادهُ ضعيفٌ جدًا: أبو نصر بنُ قتادة وشيخهُ وشيخ شيخهِ لم أعرفهم ، وخالد بن الهياج قال الذهبي في الميزان: عن أبيهِ وغيرهِ وعنهُ أهلُ هراة متماسك وقال السليماني:"ليس بشيءٍ".ا.هـ. زاد الحافظُ في"اللسان": وذكرهُ ابنُ حبان في الثقاتِ ، وقال يحيى بن أحمد بن زياد الهروي: كلما أُنكر على الهياج فهو من جهةِ ابنهِ خالد فإن الهياجَ في نفسه ثقةٌ ، وروى الحاكمُ عن صالح جزرة قال: قدمتُ هراة فرأيتُ عندهم أحاديث كثيرة منكرة ، قال الحاكم:"فالأحاديث التي رواها صالحٌ بهراة من حديث الهياج الذنبُ فيها لابنه خالد ، والحملُ فيها عليه".اهـ. ، وأبوهُ هياجُ بن بسطام الهروي ، قال أبو حاتم:"يكتبُ حديثهُ"، وقال ابنُ معين:"ضعيفٌ"، وقال مرةً:"ليس بشيءٍ"، وقال أحمدُ بنُ حنبل:"متروكُ الحديثِ"، وقال أبو داود:"تركوا حديثه"ا.هـ. من الميزان . وليثُ بنُ أبي سليم ضعيفٌ مختلطٌ .ا.هـ.
الخلاصةُ أن الحديث لا يثبتُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والنكارةُ فيه واضحةٌ .
ومع حديثٍ آخر إن شاءَ اللهُ تعالى .
الحديثُ الثالثُ
عن أنسِ بنِ مالكٍ قال:"كان رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ، يكنى أبا معلق ، وكان تاجرًا يتجرُ بمالٍ لهُ ولغيرهِ ، وكان له نسكٌ وورعٌ ، فخرج مرةً فلقيهُ لصٌ متقنعٌ في السلاحِ فقال:"ضع متاعك فإني قاتلك"، قال:"ما تريدُ إلى دمي ؟ شأنك بالمالِ"، قال:"أما المالُ فلي ، ولستُ أريدُ إلا دمك"، قال:"أما إذا أبيت فذرني أصلي أربعَ ركعاتٍ"، قال:"صل ما بدا لك"، قال:"فتوضأ ثم صلى فكان من دعائهِ في آخرِ سجدةٍ:"يا ودودُ ، يا ذا العرشِ المجيدِ ، يا فعالُ لما يريدُ ، أسألك بعزكِ الذي لا يرامُ ، وملكك الذي لا يضامُ ، وبنورك الذي ملأ أركانَ عرشك ، أن تكفيني شرَ هذا اللصِ ، يا مغيثُ أغثني قالها ثلاثًا ، فإذا هو بفارسٍ أقبل بيدهِ حربةٌ رافعها بين أذنى فرسه ، فطعن اللصَ فقتله ، ثم أقبل على التاجرِ فقال:"من أنت ؟ فقد أغاثني اللهُ بك"، قال:"إني ملكٌ من أهلِ السماءِ الرابعةِ ، لما دعوت سمعتُ لأبوابِ السماءِ قعقعةً ، ثم دعوت ثانيًا فسمعتُ لأهلِ السماءِ ضجةً ، ثم دعوت ثالثًا فقيل:"دعاءُ مكروبٍ فسألتُ اللهَ أن يوليني قتلهُ ، ثم قال:"أبشر"، قال أنسٌ:"وأعلم أنهُ من توضأ ، وصلى أربعَ ركعاتٍ ، ودعا بهذا الدعاءِ استجيب له مكروبًا كان أو غير مكروبٍ .
تخريجُ الحديثِ:
أخرجه ابنُ أبي الدنيا في"مجابي الدعوة" (23) ، و"هواتف الجنان" (12) ، ومن طريقهِ أخرجه اللالكائي في"شرح أصولِ الاعتقاد" (5/166 ح 111) ، في الجزءِ الخاصِ بـ"كراماتِ الأولياءِ"، وبوب عليه"سياق ما روي من كراماتِ أبي معلق"من طريقِ عيسى بنِ عبدِ اللهِ التميمي قال: أخبرني فهيرُ بنُ زياد الأسدي ، عن موسى بنِ وردان ، عن الكلبي - وليس بصاحبِ التفسيرِ - عن الحسن عن أنس .
وأورده ابنُ الأثيرِ في"أسد الغابة" (6/295) .
وذكرهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في الأصابة" (12/24) عند ترجمةِ"ابي معلق"فقال:"أبو معلق الأنصاري . استدركهُ أبو موسى ، وأخرج من طريق بن الكلبي عن الحسن عن أبي بن كعب: أن رجلا كان يكنى أبا معلق الأنصاري خرج في سفرة من أسفاره ..."فذكر قصة له مع اللصِ الذي أراد قتله ."
قال أبو موسى:"أوردته بتمامه في كتاب الوظائف".
قلت ورويناه في كتاب"مجابي الدعوة"لابن أبي الدنيا قال حدثنا عيسى بن عبدالله النهمي ، أخبرني فهر بن زياد الأسدي ، عن موسى بن وردان ، عن الكلبي - وليس بصاحب التفسير - عن الحسن عن أنس بن مالك ...".ا.هـ."
وذكرُ أبي بنِ كعب في الطريقِ الذي ذكرهُ أبو موسى لا شك أنه خطأٌ .
قال محققُ كتابِ"أصول الاعتقاد"الشيخ أحمد بن سعد حمدان عن السندِ: سندهُ ضعيفٌ . فيه ثلاثةُ أشخاصٍ لم أجد لهم تراجم وهم: الكلبي ، وفهير بن زياد الأسدي ، وعيسى بن عبد الله التميمي .ا.هـ.
وأوردهُ الإمامُ ابنُ القيمِ في"الداءِ والدواءِ" ( ص 40 ) ، وقال عنه الشيخُ عمرو عبد المنعم سليم:"أثرٌ منكرٌ . رواهُ ابنُ أبي الدينا في"مجابوا الدعوة" (23) : حدثنا عيسى بنُ عبدِ اللهِ التميمي قال: أخبرني فهيرُ بنُ زياد الأسدي ، عن موسى بنِ وردان ، عن الكلبي - وليس بصاحبِ التفسيرِ - عن الحسن عن أنس ."
ومن طريقهِ عبد الغني المقدسي في"الترغيب في الدعاء" (61: منسوختي ) .
قلت: وهذا سندٌ ضعيفٌ ، موسى بن وردان ضعيفٌ على التحقيقِ ، وفي الإسنادِ من لم أعرفهُ .ا.هـ.
فالحديثُ لا يثبتُ ، ومع الأسف أن هذه القصةَ انتشرت في كثيرٍ من منتدياتِ الحوارِ ، بل حتى بعضُ طلبةِ العلم استشهد بها في مقالٍ له ، وبعد بيانِ ضعفِ القصةِ أرجو من كلِ من قرأها في منتدى حواري أن يبين للقائمين على ذلك المنتدى ضعفها وعدم ثبوتها . واللهُ أعلمُ .
الحديثُ الرابع
الحمدُ للهِ وبعدُ ؛
ما زال المبتدعةُ في كلِ عصرٍ ومصرٍ يكذبون ويفترون على أتباعِ سنةِ المصطفى صلى اللهُ عليه وسلم ، ويلمزونهم بألقابٍ مكذوبةٍ ويصفونهم بأوصافٍ منفرةٍ ، وذلك لكي يمنعوا عوامهم من أخذِ الحقِ منهم ، وسلفُ الأمةِ قد بينوا بعضًا مما وصف به هؤلاءِ المبتدعةِ أهل الأثرِ والسنةِ ، وهذه بعضُ النقولِ عنهم:
روى الصابوني في"عقيدةِ أهل الحديث" ( ص304-305 ) : قال أبو حاتم الرازي: علامةُ أهلِ البدعِ: الوقيعةُ في أهلِ الأثرِ . وعلامةُ الزنادقةِ: تسميتهم أهلَ الأثرِ حشوية ، يريدون بذلك إبطالَ الآثارِ . وعلامةُ القدريةِ: تسميتهم أهلَ السنةِ مجبرة . وعلامةُ الجهميةِ: تسميتهم أهلَ السنةِ مشبهة . وعلامةُ الرافضةِ: تسميتهم أهلَ الأثرِ نابتة ، وناصبة . قلتُ: وكلُ ذلك عصبيةٌ ، ولا يلحقُ أهلَ السنةِ إلا اسمٌ واحدٌ وهو أصحابُ الحديثِ .ا.هـ.
وروى أيضا ( ص 300 ) عن أحمدَ بنِ سنانٍ القطان قال: ليس في الدنيا مبتدعٌ إلا وهو يبغضُ أهلَ الحديثِ .
فأهل البدع يلقبون أهل السنة يألقاب شتى ، فمن تلك الألقاب:
1)مشَبّهةٌ:
وهذا اللقب من أشنع الألقاب التي نبزهم بها مخالفوهم في باب الأسماء والصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة .
أما الجهمية: روى الإمام اللالكائي في"شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (1/179) عن إسحاق بن راهويه قال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة .
وأما المعتزلة: قال شيخ الإسلام في الفتاوى (5/110) : أن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك وأصحابه ، والثوري وأصحابه ، والأوزاعي وأصحابه ، والشافعي وأحمد وأصحابه ، وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة .
بل رمى بعضهم الأنبياء بأنهم مشبهة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (5/110) : قال ثمامة بن الأشرس ...: ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى حيث قال: إن هي إلا فتنتك ، وعيسى حيث قال: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: ينزل ربنا .
وأما الأشاعرة: فقد قال الجويني: وأعلموا أن مذهب أهل الحق أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حَيِّز ، ويتنزه عن الاختصاص بجهة .
وذهب المشبهة إلى أن الله - تعالى عن قولهم - مختص بجهة فوق .
2)مُجْبِرَةٌ:
قال القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة (ص775) : والذين يثبتون القدر هم المجبرة فأما نحن فإنا ننفيه ، وننزه الله تعالى أن تكون الأفعال بقضائه وقدره .
3)نُقصانيَّة .
4)مُخَالِفَةٌ .
5)شُكَّاك .
روى الإمام اللالكائي عن أبي حاتم: وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية . شرح أصول أهل السنة (1/179) .
وقال الإمام أحمد: فأما المرجئة: فيسمون أهل شكاكا ....
6)ناصبة:
وهو من الألقاب الشنيعة التي رماهم بها الرافضة .
7)العامة ، والجمهور.
8)حَشْوِيَّةٌ .
وبعد هذه النقولِ فلا غرابة أن نسمعَ مثلها من أناسٍ أعمى اللهُ قلوبهم وأبصارهم عن رؤيةِ الحقِ ، وكذلك هذه النقولُ فيها تسليةٌ لأهلِ السنةِ والأثرِ والحديثِ أن يصبروا عليها ، وأن يعلموا أنهم على الحقِ المبينِ .
وبعد هذه المقدمةِ نأتي على المطلوبِ ، استدل أحدهم بحديثٍ يقوي بدعتهُ التي يستندُ عليها في قضيةِ التوسلِ بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أمرٌ ليس بالمستغربِ من هؤلاءِ ، فإذا أراد أن يقوي بدعتهُ عرف سنةَ النبي في تلك اللحظةِ ، ولا يمنعهُ الحياءُ من الاستدلالِ بكلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ أو محمدِ بنِ عبدِ الوهاب أو أي عالمٍ من علماءِ أهلِ السنةِ ، لأنهُ كما هو معلومٌ:"الغايةُ تبررُ الوسيلةَ"، وصدق المصطفى عندما قال:"إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ"، فهؤلاءِ نزعوا جلبابَ الحياءِ ، وعندما يكونُ الكلامُ من عالمٍ من علماءِ أهلِ السنةِ في تقريرِ مسألةٍ تخالفُ هواهم كشيخِ الإسلامِ مثلًا ، أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم ، وطريقتهم في ذلك طريقةَ اليهودِ مع عبدِ الله بنِ سلام رضي اللهُ عنه ، وقصتهُ معهم معروفةٌ .
نرجعُ إلى الحديثِ الذي استدل به هذا المسكين .
نصُ الحديثِ كاملًا:
عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه قال: لما ماتت فاطمةُ بنتُ أسدِ بنِ هاشم أمُ علي رضي اللهُ عنهما ، دخل عليها رسولُ اللهُ صلى اللهُ عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال:"رحمك اللهُ يا أمي ، كنتِ أمي بعد أمي ، تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيبًا وتطعميني ، تريدين بذلك وجهَ اللهِ والدارَ الآخرةِ". ثم أمر أن تغسلَ ثلاثًا ، فلما بلغ الماءُ الذي فيه الكافورُ سكبهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بيدهِ ، ثم خلع رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قميصهُ فألبسها إياه ، وكفنها ببردٍ فوقه ، ثم دعا رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم أسامةَ بنَ زيدٍ ، وأبا أيوب الأنصاري ، وعمرَ بنَ الخطابِ ، وغلامًا أسودًا يحفرون ، فحفروا قبرها ، فلما بلغوا اللحدَ حفرهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بيده وأخرج ترابهُ بيدهِ ، فلما فرغ دخل رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم فاضطجع فيه فقال:"اللهُ الذي يحيي ويميت ، وهو حي لا يموتُ ، اغفر لأمي فاطمةَ بنت أسد ، ولقنها حجتها ، ووسِّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحمُ الراحمين". وكبر عليها أربعًا ، وأدخلوها اللحدَ هو والعباسُ وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم .
لنا مع الحديثِ وقفاتٌ:
الوقفةُ الأولى: تخريجُ الحديث:
أخرجهُ الطبراني في"الكبير" (24/352 ح 871) ، و"الأوسط" (1/152) ، وأبو نعيم في"الحلية" (3/121) ، وابنُ الجوزي في"العلل المتناهية" (1/269) من طريقِ روح بنِ صلاح ، حدثنا سفيانُ الثوري ، عن عاصم الأحول عن أنس به .
قال الطبراني في"الأوسط"عقب الحديثِ:"لم يروهِ عن عاصم إلا سفيانُ ، تفرد به روحُ بنُ صلاح".ا.هـ. وقال ابنُ الجوزي:"تفرد به روحُ بنُ صلاح ، وهو في عدادِ المجهولين وقد ضعفه ابنُ عدي".ا.هـ.
وقال الهيثمي في"المجمع" (9/257) :"رواهُ الطبراني في"الكبيرِ"و"الأوسطِ"، وفيه روحُ بنُ صلاح ، وثقهُ ابنُ حبان والحاكمُ وفيه ضعفٌ ، وبقيةُ رجالهِ رجالُ الصحيحِ .ا.هـ."
وتعقب العلامةُ الألباني في"الضعيفة" (23) الهيثمي فقال:"وبالنظرِ في سندهِ تبين لي أن قولَ الهيثمي:"وبقيةُ رجالهِ رجالُ الصحيحِ"نظرًا رجيحًا ، وذلك لأنه من روايةِ الطبراني عن أحمدَ بنِ حماد زُغبة ( في الأصل: رغبته وهو خطأٌ ) حدثنا روحُ بنُ صلاح ، أخبرنا سفيانُ عن عاصم عن أنس ، فإن زُغبةَ هذا ليس من رجالِ الصحيحِ ، بل لم يروِ له إلا النسائي ، أقولُ هذا مع العلمِ أنه في نفسهِ ثقةٌ".ا.هـ.
وقد حكم العلامةُ الألباني على الحديثِ بالضعفِ في"الضعيفة" (23) فقال:"بقي النظرُ في حالِ روحِ بنِ صلاح ، وقد تفرد به كما قال أبو نعيم ، فقد وثقهُ ابنُ حبان والحاكم كما ذكر الهيثمي ، ولكن قد ضعفهُ من قولهم أرجح من قولهما لأمرين:"
الأولِ: أنه جرحٌ مقدٌ على التعديلِ بشرطهِ .
والآخر: أن ابن حبان متساهلٌ في التوثيقِ ، فإنهُ كثيرًا ما يوثقُ المجهولين حتى الذين يصرحُ هو نفسهُ أنه لا يدري من هو ولا من أبوه ؟ كما نقل ذلك ابنُ عبد الهادي في"الصارمِ المنكي"، ومثلهُ في التساهلِ الحاكمُ كما لا يخفى على المتضلعِ بعلمِ التراجمِ والرجالِ فقولهما عند التعارضِ لا يقامُ له وزنٌ حتى ولو كان الجرحُ مبهمًا لم يُذكر له سببٌ ، فكيف مع بيانهِ كما هو الحال في ابنِ صلاح هذا ؟! فقد ضعفهُ ابنُ عدي ، وقال ابنُ يونس:"رويتُ عنه مناكيرَ"؛ وقال الدارقطني:"ضعيفُ الحديثِ"؛ وقال ابنُ ماكولا:"ضعفوهُ"، وقال ابنُ عدي بعد أن خرجَ له حديثين:"له أحاديث كثيرة في بعضها نكرةٌ".
فأنت ترى أئمةَ الجرحِ قد اتفقت عبارتهم على تضعيفِ هذا الرجلِ ، وبينوا أن السببَ روايتهُ المناكير ، فمثلهُ إذا تفرد بالحديثِ يكونُ منكرًا لا يحتجُ به ، فلا يغتر بعد هذا بتوثيقِ من سبق ذكرهُ إلا جاهلٌ أو مغرضٌ".ا.هـ."
وقال الشوكاني في"الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" ( ص/64 ) :"حديثُ فاطمةَ بنتِ أسد ضعيفٌ فيه روحُ بنُ صلاح المصري ، وهو ضعيفٌ".ا.هـ.
وقال الشيخُ عبدُ الرحمن الدوسري في تعليقهِ على كتابِ"صيانة الإنسانِ"للعلامة السهسواني الهندي ( ص 129 ) : هذا الحديثُ لا يصحُ درايةً ؛ إذا صيغةُ متنهِ وركاكةُ ألفاظهِ ، وما فيه من المبالغةِ ؛ مما يدلُ على عدمِ ثبوتهِ ، زيادة على غرابتهِ ، وما في سندهِ من الضعفِ".ا.هـ."
الوقفةُ الثانيةُ: البترُ والكذبُ في النقلِ:
كما نعلمُ ويعلمُ الجميع أن أهلَ البدعةِ قومٌ معرفون ببترِ النصوصِ ، فالهيثمي قال عن الحديثِ:"رواهُ الطبراني في"الكبيرِ"و"الأوسطِ"، وفيه روحُ بنُ صلاح ، وثقهُ ابنُ حبان والحاكمُ وفيه ضعفٌ ، وبقيةُ رجالهِ رجالُ الصحيحِ"، والمسكين الناقل ماذا صنع ؟
قال:"أخرجه الطبراني ووثقه ابن حبان والحاكم"فوقع في بليةٍ كبيرةٍ ، حذف اسم روح بن صلاح ، ثم نقل توثيقَ ابن حبان والحاكم ، والتوثيقُ لا يكونُ إلا لرجالِ السندِ ، فأوهم أن الحديث وثقه المذكوران ، ونحن أهلُ السنةِ لا نقولُ عن السند:"ثقة"، بل يذكرها أهلُ العلم في الراوي وليس السند ، أما الإسناد فيقال عنه مثلا:"رجالهُ ثِقات"وليس ثُقات ، أو يقال عنه:"سندهُ ضعيف"وما شابه ذلك من المصطلحاتِ المعروفةِ في علم الحديثِ .
الأمرُ الآخر أنه بتر أيضًا عبارة:"وفيه ضعفٌ"، وهي الحكمُ على روح بنِ صلاح ، والذي عليه مدارُ الحديثِ ، وبسببهِ ضعف أئمةُ الشأن الحديثَ .
الوقفةُ الثالثةُ: الكلامُ عن أئمةِ نقلةِ القرآن:
إن من البلايا والرزايا أن يرمي الإنسانُ غيره بأمرٍ هو منه بريءٌ ، ومن رماهُ به واقعٌ فيه ، كالسارقِ يظنُ أن الناسَ كلهم سرقة ، والزاني يظنُ أن الناسَ كلهم زناة - والعياذُ بالله - ، وهكذا دواليك ، فبعد ما ثبت من كلامِ علماءِ الرافضةِ قولهم بالتحريف في كتابِ اللهِ ، بل ألف أحدهم وهو الطبرسي - عليه من الله ما يستحق - كتابًا سماه"فصل الخطابِ في تحرفِ كتابِ ربِ الأرباب"، قال الرافضةُ تعالوا نبحث في نقلةِ القرآنِ عند أهل السنةِ ، ونبحثُ ما قيل فيهم من كلامِ علماءِ الجرح والتعديلِ ، وظنوا أنهم وقعوا على كنزٍ ثمينٍ ، وهذا يدلُ دلالةً واضحةً على سخافةِ عقولِ القومِ .
والرد على هذه الفرية أننا نقولُ: لا يمنع أن يكونَ الرجلُ من علماءِ القراءاتِ ومن ضابطيها ، وفي نفسِ الوقتِ ضعيفٌ أو متروكٌ في الحديثِ ، ولنأخذ مثالًا ممن ورد ذكرهُ:
حفصُ بنُ سليمان الأسدي الكوفي ( ت 180 هـ ) من تلاميذِ عاصمِ بن بهدلة بنِ أبي النجود الأسدي في القراءةِ ، وكان حجةً في القراءةِ ، ليس بشيءٍ في الحديثِ ، ولهذا قال عنهُ الذهبي في"معرفة القراءِ الكبارِ" (1/141) :"أما في القراءةِ فثقةٌ ثبتٌ ضابطٌ لها ، بخلافِ حالهِ في الحديثِ".ا.هـ.
أما عاصمُ بنُ أبي النجودِ انتهت إليه رئاسةُ الإقراءِ بالكوفةِ ، وكان صدوقًا في الحديثِ .
وأكتفي بهذا القدر من الوقفاتِ . واللهُ أعلمُ .
حرر في 3 - 5 - 1425 هـ
الحديث الخامس
تخريجُ حديثِ:"لا يزال الجهاد حلوًا خضرًا ..."
الحمدُ للهِ وبعدُ ؛
يستدلُ بعضُ الناسِ على مسألةِ في الجهادِ بحديثٍ عن النبي صلى اللهُ عليه ، وفحوى الحديث أنه سيأتي على الناسِ زمانٌ لا يكونُ هناك شيءٌ يقالُ له:"جهادٌ"، وفي هذه الأسطرِ سأبينُ حال الحديثِ من جهةِ ثبوتهِ وعدم ثبوتهِ .
أولًا: نصُ الحديثِ:
عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزالُ الجهادُ حلوًا خضرًا ما أمطرت السماءُ وأنبتت الأرضُ ، وسينشو نشو من قبلِ المشرقِ يقولون:"لا جهاد ولا رباط أولئك هم وقودُ النارِ بل رباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من عتقِ ألفِ رقبةٍ ، ومن صدقةِ أهلِ الأرضِ جميعًا"."
ثانيًا: تخريجُ الحديثِ:
أخرجهُ ابنُ عساكرٍ في"تاريخِ دمشق" (43/347) : أخبرنا أبو الحسن الشافعي ، وأبو الحسن بن دريد قالا: أنا نصر بن إبراهيم زاد الشافعي ، وأبو محمد بن فضيل قالا: أنا أبو الحسن بن عوف ، أنا أبو علي بن منير ، أنا أبو بكر محمد بن خريم ، نا هشام بن عمار ، نا أبي: عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري ، نا عباد بن كثير ، عن يزيد الرقاشي عن أنس به .
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًا فيه:
1 -يزيدُ الرقاشي: هو يزيدُ بنُ أبان الرَّقَاشي أبو عمرو البصري القاص من زهادِ البصرةِ .
وكلامُ أهلِ العلم فيه طويل ، من ذلك:
قال البخاري: تكلم فيه شعبةُ . وقال أبو طالب: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول:"لا يكتبُ حديث يزيد الرقاشي . قلت له: فلم تُرك حديثهُ ، لهوى كان فيه ؟ قال: لا ، ولكن كان منكر الحديثِ . وقال: شعبةُ يحملُ عليه ، وكان قاصًا . وقال أبو حاتم: كان واعظًا بكاءً كثير الروايةِ عن أنس بما فيه نظرٌ ، صاحبُ عبادةٍ ، وفي حديثهِ ضعفٌ ."
وقد لخص ابنُ حبان الكلامَ فيه فقال:"كان من خيارِ عبادِ اللهِ من البكائين في الخلواتِ والقائمين بالحقائق في السبراتِ ، ممن غفل عن صناعةِ الحديثِ وحفظها ، واشتغل بالعبادةِ وأسبابها حتى كان يقلبُ كلامَ الحسن فيجعله عن أنس وغيره من الثقات بطل الاحتجاجُ به ، فلا تحلُ الروايةُ عنه إلا على سبيل التعجب".
2 -عبادُ بنُ كثير: يوجد اثنان بهذا الاسم عبادُ بنُ كثير الثقفي البصري ، وعبادُ بنُ كثير الرملي الفلسطيني الشامي ، ولم أجد في ترجمتهما روايةً عن يزيد الرقاشي ، والذي يغلب على ظني أنه الأولُ لأن الرقاشي بصري فيكون بلديهُ . فإن كان الأولُ فهو متروكُ الحديثِ ، والثاني لا يبعدُ عنه كثيرًا .
ولو لم يكن في الإسناد إلا هذان الرجلان لكفى في ردِ الحديثِ عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وأوردهُ السيوطي في"جمع الجوامعِ" (1/929) وعزاهُ لابن عساكر وقال:"ضعفهُ".
وقد جاء الحديث من طريقٍ آخر عند أبي عمرو الداني في"السنن الواردةِ في الفتنِ وغوائلها والساعة وأشراطها" (3/751 ح 371) مرسلًا من طريق محمد بن أبي محمد ، قال: حدثنا أبي ، قال: حدثنا سعيد ، قال حدثنا يوسف بن يحيى ، قال: حدثنا عبدالملك ، قال: حدثنا الطلحي ، عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه بلفظ:"لا يزالُ الجهادُ حلوًا أخضر ، ما قطر القطرُ من السماءِ ، وسيأتي على الناسِ زمانٌ يقولُ فيه قراءٌ منهم: ليس هذا زمانُ جهادٍ ، فمن أدرك ذلك الزمان ، فنعم زمانُ الجهادِ ، قالوا: يا رسول الله ، واحدٌ يقولُ ذلك ؟ فقال: نعم ، من عليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين ."
وهذا السندُ فيه عبدُ الرحمن بنُ زيد بن أسلم العدوي ضعفه سائرُ أهلِ العلم ولهذا قال ابنُ الجوزي:"أجمعوا على ضعفهِ".
والعلةُ الأخرى الإرسال ، فزيدُ بنُ أسلم لم يرَ النبي صلى اللهُ عليه وسلم ، والمرسلُ من أقسامِ الضعيفِ كما قرر ذلك أهلُ العلم .
وقد ورد حديثٌ آخر بنفسِ المعنى عند أبي يعلى في"مسنده" (9/274 - 275) من طريق داود بنِ رشيد ، حدثنا بقيةُ بنُ الوليد ، عن علي بنِ علي ، حدثني يونس ، عن الزهري ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله ، عن ابنِ مسعود قال: جاءهُ رجلٌ فقال: أسمعتَ رسولَ اللهِ يقولُ في الخيلِ شيئًا قال: نعم ؛ سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ:"الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ . اشتروا على اللهِ ، واستقرضوا على اللهِ". قيل: " يا رسولَ الله ؛ كيف نشتري على اللهِ ونستقرضُ على اللهِ ؟"، قال:"قولوا أقرضنا إلى مقاسمنا وبِعْنا إلى أن يفتحَ اللهُ لنا ، لا تزالون بخيرٍ ما دام جهادكم خضرًا ، وسيكونُ في آخرِ الزمانِ قوم يشكُّون في الجهادِ ، فجاهدوا في زمانهم ثم اغزوا فإن الغزو يومئذٍ أخضرُ ."
قال محققُ مسندِ أبي يعلى عن الحديثِ: " إسنادهُ ضعيفٌ لانقطاعهِ ، عبيدُ اللهِ كان يرسلُ عن ابنِ مسعودٍ ، وبقيةُ بنُ الوليدِ مدلسٌ وقد عنعن . وذكرهُ الهيثمي في"المجمع" (5/280) وقال: " رواه أبو يعلى ، وفيه بقيةُ بنُ الوليدِ وهو مدلسٌ ، وبقيةُ رجاله ثقاتٌ"."
وبهذا يتبينُ أن الحديثَ بجميعِ طرقهِ لا يصحُ عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم ، وأن الجهادَ ماضٍ إلى يومِ القيامةِ ، وقد تمرُ بالأمةِ حالاتُ ضعفٍ يضعفُ معها أمرُ الجهادِ ، ولكن لا يعني أنه يمتنعُ بالكليةِ في جميعِ العصورِ والأزمان . والله أعلم .
حرر في 6 - 5 - 1425 هـ
تخريجُ حديثِ:"كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَلَيْكُم"
الحمدُ للهِ وبعدُ ؛
نسمعُ كثيرًا عبارةَ:"كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَلَيْكُم"
فهل هذهِ العبارةُ جاءت حديثًا عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم ؟
وما درجتهُ إن كانت حديثًا نبويًا من جهةِ الصحةِ أوالضعفِ ؟
جاءت هذهُ العبارةُ مرفوعةً إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم من طريقين:
الطريقُ الأولى:
روى القضاعي في"مسند الشهاب" (1/336) من طريقِ الكرماني بنِ عمرو ، ثنا المباركُ بنُ فضالة ، عن الحسنِ ، عن أبي بكرةَ ، عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال:"ثم كَمَا تَكُونُوا يُولَّى أو يُؤمرُ عَلَيْكُم".
وفي هذا السندِ المباركُ بنُ فضالة ، قال عنهُ الحافظُ ابنُ حجر في"التقريب":"صدوقٌ يُدلِّس ويُسوي".
وتدليسُ التسويةِ من أسوءِ أنواعِ التدليسِ .
وقد تكلم عددٌ من أهلِ العلمِ في روايتهِ عن الحسنِ البصري .
قال نعيمُ بنُ حماد عن عبدِ الرحمن بنِ مهدي: لم نكتب للمباركِ شيئًا إلا شيئًا يقولُ فيه:"سمعتُ الحسنَ".
وفي هذا السندِ لم يقل المباركُ بنُ فضالة:"حدثنا".
قال المناوي في"فيض القدير"عن هذا السندِ (5/47) :"قال ابنُ طاهرٍ:"والمباركُ وإن ذُكر بشيءٍ من الضعفِ فالعمدةُ على من رواهُ عنهُ فإن فيهم جهالةً".ا.هـ."
وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ في"تخريجه لأحاديثِ الكشافِ" (1/345) :"رواهُ القضاعي في مسندِ الشهابِ وفي إسنادهِ إلى مبارك مجاهيل".ا.هـ.
وقال العجلوني في"كشف الخفاء" (2/166) :"وأخرجهُ ابنُ جميع في معجمهِ ، والقضاعي عن أبي بكرةَ بلفظ:"يولى عليكم بدون شكٍ ، وفي سندهِ مجاهيلٌ".ا.هـ."
الطريقُ اثانيةُ:
رواها الديلمي في"مسند الفردوس"، والبيهقي في"الشعب"كما رمز لهُ السيوطي في"الجامع الصغير"، وذكر سندَهُ المناوي في"فيض القدير" (5/47) فقال: ( فر ) وكذا القضاعي كلاهما من حديثِ يحيى بنِ هاشم ، عن يونس بنِ أبي إسحاق ، عن أبيهِ ، عن جدهِ عن ( أبي بكرة ) مرفوعًا .
قال السخاوي: ورواية يحيى في عداد من يضع .
( هب ) من جهةِ يحيى بنِ هشامٍ ، عن يونس بنِ إسحاق ( عن أبي إسحاق ) عمرَ بنِ عبد الله ( السبيعي مرسلا ) بلفظ:"كما تكونوا كذلك يؤمر عليكم"، ثم قال:"هذا منقطعٌ ، وراويهِ يحيى بنُ هشامٍ ضعيفٌ .ا.هـ."
وقال العجلوني في"كشف الخفاء" (2/166) :"قال في الأصلِ:"رواهُ الحاكمُ ، ومن طريقهِ الديلمي عن ابي بكرةَ مرفوعًا ، وأخرجهُ البيهقي بلفظ:"يؤمر عليكم". بدون شكٍ ، وبحذفِ أبي بكرة ؛ فهو منقطعٌ".ا.هـ."
وأورد هذا الحديثَ السيوطي في"الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" ( ح 329 ) فقال:"حديثُ:"كما تكونوا يولى عليكم"."
ابنُ جميع في"معجمه"من حديثِ أبي بكرةَ ، والبيهقي في"الشعب"من حديثِ يونس بنِ أبي إسحاق ، عن أبيهِ مرفوعًا ، ثم قال:"هذا منقطعٌ".ا.هـ.
قال الشيخُ محمد لطفي الصباغ محققُ"الدرر"للسيوطي في الحاشيةِ: ضعيفٌ ...
وأوردهُ أيضًا المُلا علي القاري في"الأسرار المرفوعة" ( ح 281) ، والشوكاني في"الفوائد المجموعة" ( ح 624) وقال:"في إسنادهِ وضاعٌ . وفيهِ إنقطاعٌ".ا.هـ.
وجاء في"تذكرة الموضوعات":"في سندهِ انقطاعٌ وواضعٌ هو يحيى بنُ هشام ، وله طريقٌ فيهِ مجاهيلٌ".ا.هـ.
وقال الزرقاني في"مختصر المقاصد الحسنة" ( ح 772 ) :"ضعيفٌ".
وجاء في"أسنى المطالب" (1/221) :"فيهِ من يضعُ الحديثَ ، وهو يحيى بنُ هشامٍ ، ويروى من طريقٍ آخر مرسلًا".ا.هـ.
وقد ذكر الحديثَ العلامةُ الألباني في"الضعيفة" (320) ، و"ضعيف الجامع" (4275) ، و " المشكاة (3717) ، وقال:"ضعيفٌ"."
أثرٌ عن الحسنِ البصري:
قال السخاوي في"المقاصد الحسنة"عند حرفِ الكافِ: وعند الطبراني معناهُ من طريقِ عمرَ وكعبِ الأحبارِ والحسنِ فإنهُ سمع رجلًا يدعو على الحجاجِ فقال له:"لا تفعل إنكم من أنفسكم أُتيتم ، إنا نخافُ إن عُزل الحجاجُ ، أو مات أن يستولي عليكم القردةُ والخنازيرُ ، فقد روي أن أعمالكم عمالكم ، وكما تكونون يولى عليكم".
وقد بحثتُ عنهُ في معاجمِ الطبراني الثلاثةِ بهذا اللفظِ فلم أجدهُ .
فوائد في ثنايا البحثِ:
الفائدةُ الأولى:
قال العجلوني في"كشف الخفاء" (2/166) :"وفي فتاوى ابنِ حجرِ:"وقال النجمُ: روى ابنُ ابي شيبةَ ، عن منصورِ بنِ أبي الأسود ، قال سألتُ الأعمشَ عن قولهِ تعالى:"وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا" [ الأنعام: 129 ] ما سمعتهم يقولون فيه ؟ قال:"سمعتهم إذا الناسُ أُمّر عليهم شرارهم ."
وروى البيهقي عن كعب قال:"إن لكلِ زمانٍ ملكًا يبعثهُ اللهُ على نحو قلوبِ أهلهِ ؛ فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحًا ، وإذا أراد هلاكهم بعث عليهم مترفيهم".ا.هـ.
أما أثرُ الأعمش فقد رواهُ أيضا أبو نعيم في"الحلية" (5/51) .
الفائدةُ الثانيةُ:
قال الألوسي في"روح المعاني" (8/27) عند قولهِ تعالى:"وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا" [ الأنعام: 129 ] : " واستدل بهِ على أن الرعيةَ إذا كانوا ظالمين ، فاللهُ تعالى يسلطُ عليهم ظالمًا مثلهم ، وفي الحديثِ:"كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَلَيْكُم"، أو المعنى نجعلُ بعضهم قرناءَ ... " .ا.هـ.
وقال العلامةُ الألباني في"الضعيفة" (320) بعد تخريجهِ للحديثِ:"ثم أن الحديثَ معناهُ غيرُ صحيحٍ على إطلاقهِ عندي ، فقد حدثنا التاريخُ تولي رجلٍ صالحٍ عقب أميرٍ غيرِ صالحٍ والشعبُ هو هو".ا.هـ.
الفائدةُ الثالثةُ:
قال الطرطوشي في"سراج الملوك" ( ص 197) :"البابُ الحادي والأربعون في"كما تكونوا يولى عليكم"."
لم أزل أسمعُ الناسَ يقولون:"أعمالكم عمالكم كما تكونوا يولى عليكم"إلى أن ظفرتُ بهذا المعنى في القرآن قال الله تعالى:"وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا" [ الأنعام: 129 ] ، وكان يقالُ:"ما أنكرت من زمانِك فإنما أفسدهُ عليك عملُك ."
وقال عبدُ الملك بنُ مروان:"ما أنصفتمونا يا معشرَ الرعيةِ ، تريدونا منا سيرةَ أبي بكر وعمرَ ، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم ...".ا.هـ.
الفائدةُ الرابعةُ:
استدل بعضُ أهلِ اللغةِ بلفظِ هذا الحديثِ على فائدةٍ لغويةٍ ذكرها ابنُ هشام في"المغني"، وسأنقلُ هذه الفائدةَ من"مختصر مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري"للشيخِ محمدِ بنِ صالحِ بنِ عثيمين - رحمه الله - ( ص 110 - 111) :"القاعدة الحادية عشرة: من مُلحِ كلامِهم تقارضُ اللفظين في الأحكامِ ، ولذلك أمثلةٌ منها: إعطاءُ كلمةِ ( غير ) حكم ( إلا ) في الاستثناءِ ، وإعطاءُ حكمِ ( إلا ) حكم ( غير ) ، ومنها إعطاءُ ( أن ) حكم ( ما ) المصدرية المهملة في الإهمالِ وبالعكسِ ، ومُثِّل له بقوله صلى الله عليه وسلم:"كما تكونوا يولى عليكم"ذكره ابنُ الحاجبِ ، والمعروف:"كما تكونون"...ا.هـ."
وجاء أيضًا في"كشف الخفاءِ"للعجلوني (2/167) :"وذكر ابنُ الأنباري أن الروايةَ"كما تكونوا"بحذفِ النونِ ، وكما ناصبةٌ حملًا على"أن"."
وذكر السيوطي في"فتاواه الحديثية"أنهُ رواهُ البيهقي في"شُعبهِ"وغيرهِ:"وإن حذفَ النونِ على لغةِ من يحذفها بلا ناصبٍ ولا جازمٍ . وكما في حديثِ:"لا تدخلوا الجنةَ حتى تؤمنوا"أو أن حذفها على رأي الكوفيين الذين ينصبون بكما . أو على أنهُ من تغييرِ الرواةِ ، لكن هذا بعيدٌ جدًا ، انتهى ."
وأنشد بعضُهم في المقام ِ:
بذنوبنا دامت بليتنا * * * والله يكشفها إذا تبنا
انتهي هذا البحثُ الذي أرجو أن يكونَ فيهِ النفعُ والفائدةُ . آمين .
تَخْرِيجُ مَا نُسِبَ مِنْ كَرَامَةٍ لِهَرِمِ بنِ حَيَّانَ
الحَمْدُ للهِ وَبَعْدُ ؛