فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 364

بسم الله الرحمن الرحيم

القَولُ المَسْبُوكُ في رَدِّ حَدِيثٍ مُنْتَشِرٍ مَكْذُوبٍ

الحمدُ للهِ وبعدُ ؛

إن مما ابتليت به الأمة في هذه الأيام كثرة انتشار الأحاديث الضعيفة والمكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه فقال:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"رواه البخاري ولم .

ومن هذه الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم حديث يتبادله كثير من الناس فيما بينهم عن طريق البريد الإلكتروني ، وقد أرسل لي أحد الأحبة الحديث عن طريق البريد الإلكتروني وقال لي: ما رأيك فيه ؟

قرأت الحديث ووجدتُ فيه عجبًا ، وعلامات الكذب ظاهرة واضحة عليه .

وهذا بحث في بيان الحديث ، وعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى جانب التحذير منه ومن أمثاله من الأحاديث المكذوبة الموضوعة على النبي صلى الله .

وعلى المسلم أن يتأكد من ثبوت ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يقول صلى الله عليه وسلم: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ . رواه مسلم .

نَصُ الحَدِيثِ:

عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: جئت أسألك عما يغنيني في الدنيا والآخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل عما بدا لك . قال: أريد أن أكون أعلم الناس . فقال: صلى الله عليه وسلم إتق الله تكن أعلم الناس . قال: أريد أن أكون أغنى الناس . فقال: صلى الله عليه وسلم: كن قانعًا تكن أغنى الناس . قال: أريد أن أكون أعدل الناس . فقال صلى الله عليه وسلم: أحب للناس ما تحب لنفسك تكن أعدل الناس . قال: أحب أن أكون خير الناس . فقال صلى الله عليه وسلم: كن نافعًا للناس تكن خير الناس . قال: أحب أن أكون أخص الناس إلى الله . فقال صلى الله عليه وسلم: أذكر الله تكن أخص الناس إلى الله . قال: أحب أن يكمل إيماني . فقال صلى الله عليه وسلم: حسن خلقك يكمل إيمانك . قال: أحب أن أكون من المحسنين . فقال صلى الله عليه وسلم: اعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فأنه يراك تكن من المحسنين . قال: أحب أكون من المطيعين . فقال صلى الله عليه وسلم: أد فرائض الله تكن من المطيعين . قال: أحب أن ألقى الله نقيًا من الذنوب . فقال صلى الله عليه وسلم: اغتسل من الجنابة متطهرًا تلقى الله نقيًا من الذنوب . قال: أحب أن احشر يوم القيامة في النور . فقال صلى الله عليه وسلم: لا تظلم أحدًا تحشر يوم القيامة في النور . قال: أحب أن يرحمني ربي يوم القيامة . فقال صلى الله عليه وسلم: ارحم نفسك وارحم عبادك يرحمك الله يوم القيامة . قال: أحب أن تقل ذنوبي . فقال صلى الله عليه وسلم: أكثر من الاستغفار تقل ذنوبك . قال: أحب أن أكون أكرم الناس . فقال صلى الله عليه وسلم: لا تشكو من أمرك إلى الخلق تكن أكرم الناس . قال: أحب أن أكون أقوى الناس . قال صلى الله عليه وسلم: توكل على الله تكن أقوى الناس . قال: أحب أن يوسع الله في الرزق . قال صلى الله عليه وسلم: دم على الطهارة يوسع الله عليك في الرزق . قال: أحب أن أكون من أحباب الله ورسوله . قال صلى الله عليه وسلم: أحب ما احبه الله ورسوله تكن من أحبابهم . قال: أحب أن أكون آمنًا من سخط الله يوم القيامة . قال صلى الله عليه وسلم: لا تغضب على أحد من خلق الله تكن آمنًا من سخط الله يوم القيامة . قال: أحب أن تستجاب دعوتي . قال صلى الله عليه وسلم: اجتنب أكل الحرام تستجاب دعوتك . قال: أحب أن يسترني الله يوم القيامة . قال صلى الله عليه وسلم: استر عيوب إخوانك يسترك الله يوم القيامة . قال: ما الذي ينجي من الذنوب ؟ أو قال: من الخطايا ؟ قال صلى الله عليه وسلم: الدموع والخضوع والأمراض . قال: أي حسنة أعظم عند الله تعالى ؟ قال صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق والتواضع والصبر على البلاء . قال: أي سيئة أعظم عند الله تعالى ؟ قال صلى الله عليه وسلم: سوء الخلق والشح المطاع . قال: ما الذي يسكن غضب الرب في الدنيا والآخرة ؟ قال صلى الله عليه وسلم: الصدقة الخفية وصلة الرحم . قال: ما الذي يطفئ نار جهنم يوم القيامة ؟ قال صلى الله عليه وسلم: الصبر في الدنيا على البلاء والمصائب .

رواه أحمد بن حنبل .

قال الامام المستغفري: ما رأيت حديثا أعظم وأشمل لمحاسن الدين وأنفع من هذا الحديث اجمع فأوعى .

وقَفَاتٌ مَعَ الحَدِيثِ:

لنا مع الحديث وقفاتٌ ألا وهي:

الوَقَفَةُ الأولى:

إن علامات الوضع على الحديث واضحةٌ ظاهرةٌ ، يقول الإمام ابن القيم في"المنار المنيف" ( ص 102) عند ذكره الأمور التي يُعرف بها كون الحديث موضوعا:

-ومنها: 19 - ما يقترن بالحديث من القرائن التي يُعلم بها أنه باطل .

وضرب مثالا بحديث: وضع الجزية عن أهل خيبر .

ثم ذكر الأوجه في كذبه ومنها:

سادسها: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فكيف يكون قد وقع ، ولا يكون عِلمُه عند حملة السنة من الصحابة ، ولاتابعين وأئمة الحديث ، وينفرد بعلمه اليهود ؟ .ا.هـ.

وحديث الأعرابي الذي معنا ينطبق عليه كلام الإمام ابن القيم ، فلم يذكره أحد من أهل الكتب المعتبرة مثل السنن ، والمعاجم ، وغيرها .

بل انفرد به من سنذكره في الوقفة الثانية .

الوَقَفَةُ الثَانِيةُ:

بعد الرجوع إلى المصادر المعتبرة للبحث عن الحديث لم نجد أحدا من أهل الكتب ذكر الحديث ، وبعد بذل الوسع وجد في مصدر واحد فقط ، وسأنقل نص الكلام الموجود في ذلك المصدر .

جاء في كنز العمال ( رقم44154 ) ما نصه:

قال الشيخ جلال الدين السيوطي وجدت بخط الشيخ شمس الدين ابن القماح في مجموع له عن أبي العباس المستغفري قال: قصدت مصرا أريد طلب العلم من الإمام أبي حامد المصري والتمست منه حديث خالد بن الوليد فأمرني بصوم سنة ، ثم عاودته في ذلك فأخبرني بإسناده عن مشايخه إلى خالد بن الوليد: فذكر الحديث بطوله .

وكما نرى في هذا النقل من المؤخذات ما يلي:

1 -عدم عزو صاحب كنز العمال الحديث إلى مصدر من مصادر السنة المعتبرة .

2 -الرجال المذكورون في السند بعد الرجوع إلى تراجمهم في كتب الرجال لم أجد إلا ترجمة المستغفري فقط .

قال الإمام الذهبي في السير (17/564) :

الإمام الحافظ المُجَوِّد المصنف ، أبو العباس ، جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر بن الفتح بن إدريس ، المستغفري النَّسَفي .

... وكان محدثَ ما وراء النهر في زمانه .

مولده بعد الخمسين وثلاث مئة بيسير .

ومات بنسف سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة عن ثمانين سنة ، رحمه الله .ا.هـ.

وقال الذهبي عنه في تذكرة الحفاظ (3/1102) :

... وكان صدوقا نفسه لكنه يروي الموضوعات في الأبواب ، ولا يوهيها ...ا.هـ.

فالمستغفري متكلم فيه ، فلو لم توجد إلا هذه العلة لكفى !!! ولكن هناك علل أخرى كما سيأتي .

3 -أمرُ الصيامِ للمستغفري من قِبل أبي حامد المصري لمدة سنة ، وهذا أمر غريب ، وأخشى أن يكون من عمل الصوفية .

4 -لم يذكر لنا المستغفري رجال السند من عند شيخه أبي حامد المصري إلى خالد بن الوليد لكي يُحكم عليهم من كلام أئمة الجرح والتعديل .

الوَقَفَةُ الثَالثةُ:

عزو الحديث إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل لا يصح أبدا ، بل لا يصح في أي كتاب من كتب الإمام أحمد الأخرى ، والله أعلم .

الوَقَفَةُ الرَابِعَةُ:

قول المستغفري: ما رأيت حديثا أعظم وأشمل لمحاسن الدين وأنفع من هذا الحديث اجمع فأوعى .ا.هـ.

نعم ، الحديث جمع محاسن الدين ولكن لا بد من ثبوت هذه المحاسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس المسألة مسألة الإعجاب بعبارات الحديث بل الأهم من ذلك كله هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟؟

وإلا لو كان الإعجاب بعبارات الأحاديث ، هناك أحاديث موضوعة فيها من المعاني العظيمة ما يجعلنا نقبلها مباشرة ، ولكن أحاديث النهي عن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم تجعلونا لا نقبلها ولا نعمل بها البتة .

الوَقَفَةُ الخَامِسَةُ:

لا يمنع أن يكون في الحديث بعض الألفاظ التي جاءت عن النبي صلى الله في أحاديث أخرى ، وكذلك لا يمنع أن يكون الحديث تجميع لعدد من الأحاديث بعضها صحيح والآخر ضعيف أو موضوع ، ويقوم بهذا التجميع بعض الوضاعين والقُصاص .

أرجو بعد هذه الوقفات أن أكون قد وفقت في بيان كذب الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن كان له إضافة ، أو تعليق ، أو تعقيب فأكون له من الشاكرين .

عبد الله زقيل

لا يدعم المستعرض الذي تستخدمه الإطارات المضمنة أو تمت تهيئته حاليًا حتى لا يدعم الإطارات المضمنة. AmRoBaShAh © 2007 شبكة الاسلام للجميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت